فهرس الكتاب

الصفحة 800 من 2201

به إنما البدن وسيلة فما يقوم بغير الوسيلة كان أكمل والجواب لأبي حنيفة عن هذا أن معنى الجناية هو ما لا تطيق النفس احتماله لكن الأصل في كل فعل الكمال والنقصان بالعوارض فلا يجب الناقص أصلا بل الكامل يجعل أصلا, ثم تعدى

ـــــــ

أو لم يجرح في ظاهر الرواية. وروى الطحاوي عن أبي حنيفة رحمهما الله إذا قتله جرحا يجب القود بأي آلة كانت وإن لم يجرح لا يجب القود بأي آلة كانت. قالوا: إنا نعلم أن القصاص وجب عقوبة يعني بعدما ارتكب الجناية وزجرا عن انتهاك حرمة النفس وصيانة حياتها يعني قبل ارتكاب الجناية فإن شرعه زاجر عن مباشرة القتل على ما قال الله تعالى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} "البقرة: 179"وانتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل, كذا في الصحاح. وانتهاك حرمتها إنما يحصل بما لا تطيق النفس احتماله ولا تبقى معه; لأنها إذا تلفت بذلك فقد انتهكت حرمتها. فأما الجرح على البدن فلا عبرة به يعني في تعلق العقوبة, إنما البدن أي الجرح على البدن وسيلة إلى الجناية على النفس وانتهاك حرمتها باعتبار السراية, ألا ترى أنه لو لم يشر إلى النفس لا يجب القصاص فيما يكون بغير وسيلة كان أكمل فما يكون جناية على النفس بغير وسيلة وهو القتل بحجر الرحى والأسطوانة العظيمة مثلا كان أكمل في الجناية من الجرح لأن ما لا يلبث ولا تطيق النفس احتماله مزهق للروح بنفسه والفعل الجارح مزهق له بواسطة الجراحة فالجرح وسيلة يتوصل بها إلى إزهاق الروح وما يكون عاملا بنفسه أبلغ مما يكون عاملا بواسطة السراية. ولما كان هذا أتم في المعنى المعتبر وهو عدم احتمال البنية يثبت الحكم فيه بالدلالة كما في الضرب مع التأفيف وكما يثبت في القتل بالرمح والسكين والنشابة بالدلالة.

يوضح ما ذكرنا أن هناك قد يجب القصاص بفعل لا يكون قتلا لا محالة, كقطع الأصبع والغرز بالإبرة والضرب بسنجات الميزان على ما ذكر في كتاب الديات فلما وجب القصاص بهذا الفعل وأنه قد يحصل به القتل, وقد لا يحصل فلأن يجب بإلقاء حجر الرحى أولى; لأنه لا يرجى معه الحياة أصلا. والدليل عليه أن قطاع الطريق لو قتلوا بالحديد وبالحجر يجب عليهم القتل ولا شك أن وجوب القتل على قاطع الطريق يتعلق بالقتل كالقصاص, ثم لم يقع الفرق فيه بين الحديد وغيره وبين الجرح والدق, فكذلك ههنا, كذا في طريقة الإمام البرغري.

والجواب لأبي حنيفة رحمه الله عن هذا المعنى الذي ذكراه أنا قد سلمنا أن معنى الجناية هو ما لا تطيق النفس احتماله. لكن الأصل في كل فعل الكمال يعني إذا صار الحكم مرتبا على شيء فالاعتبار فيه للكامل منه; لأن للناقص شبهة العدم, ثم إن كان ذلك الحكم من جنس ما يثبت مع الشبهات يلحق الناقص بالكامل ويثبت الحكم فيه كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت