فلأن يجب لصيانة ابتداء الفعل بقاؤه أولى والسنن كثيرة في الصلاة والحج وغير ذلك.
ـــــــ
إيجاب بقائه لما عرف أن البقاء أسهل من الابتداء ثم وجب لصيانة أدنى الأمرين, وهو التسمية ما هو أقوى الأمرين, وهو ابتداء الفعل فلأن يجب لصيانة ما هو أقوى الأمرين, وهو ابتداء الفعل أدنى الأمرين, وهو إيفاء الفعل, وإتمامه كان أولى. وما ذكر الخصم أن النذر والشروع بمنزلة الكفالة والإقراض فليس كذلك; لأن الكفالة, وإن كانت كالنذر باعتبار أنه التزم فالشروع ليس كالإقراض; لأن الإقراض أو التصدق تبرع بالعين والمقصود منه دفع حاجة المستقرض أو الفقير فلا يثبت ذلك قبل التسليم فكان كل واحد قبل التسليم نظير الصلاة في النية والتطهر واستقبال القبلة. فأما المقصود في البدنيات فعمل يستوفى وقد حصل البعض منه فكان كبعض المال المسلم إلى الفقير أو المستقرض, وإليه أشار الشيخ بقوله مسلما إليه ثم إذا تصدق ببعض المال لزمه أن لا يبطله بالرجوع فكذا إذا أتى ببعض العمل وصار مسلما إلى الله تعالى لزمه أن لا يبطله بالامتناع عن أداء الباقي, وإنما افترقا من حيث إن القدر الموجود من الصدقة يبقى صدقة بدون ما لم يوجد, والقدر الموجود من فعل الصلاة والصوم لا يبقى قربة بدون الباقي فيلزمه المضي هاهنا, ولا يلزمه في الصدقة. فأما إباحة الإفطار بعذر الضيافة فرخصه مع بقاء الحظر ولذا كان الامتناع أفضل وذلك كمن صلى الفرض ورأى بقربه صبيا كاد يحترق أو يغرق, وهو قادر على الاستنقاذ أبيح له قطع الفرض واستنقاذ الصبي بل يجب عليه ذلك صيانة للصبي عن الهلاك, وفيه إبطال حق الله تعالى لحق الآدمي فكذا فيما نحن فيه يرخص له الإفطار احترازا عن أذى المسلم, وصحة الخلوة ممنوعة أيضا بل هي فاسدة كذا ذكر الشيخ أبو المعين في طريقته.
وأما الشروع في النفل قائما, وإتمامه قاعدا أو نية الأربع مع التسليم على رأس الركعتين ففارقا النذر; لأن وجود ما وراء الركعتين وصفة القيام ليسا بشرطين لبقاء المؤدى عبادة وذكر الشيخ في شرح التقويم أن وجوب الباقي لمعنى في غيره, وهو صيانة المؤدى لا لمعنى في نفسه فلا يمنع صحة الخلوة, وإباحة الإفطار بعذر الضيافة واقتداءه بالمتنفل; لأنه في حق نفسه نفل. وأما فضل المظنون فالقياس فيه ما قاله زفر رحمه الله; لأن المؤدى انعقد عبادة فيجب صيانتها بالمضي فيه إلا علماءنا استحسنوا وقالوا إن سبب الوجوب, وهو الشروع صادف الواجب فيلغو; لأن الوجوب لا يتكرر في شيء واحد كما لو قال لله علي ظهر اليوم وذلك; لأن العبد إنما يؤاخذ بما عنده لا بما عند الله تعالى; لأن ذلك ليس في وسعه عنده أنه شرع في الواجب فكان كما لو شرع في الظهر أو صوم القضاء ثم أفسده