يضعفه الصوم فليس له أن يبذل نفسه لإقامة الصوم; لأنه يصير قتيلا بالصوم فيصير قاتلا نفسه بما صار به مجاهدا وفي ذلك تغيير المشروع فلم يكن نظير من بذل نفسه لقتل الظالم حتى أقام الصوم حقا لله تعالى; لأن القتل مضاف إلى
ـــــــ
حتى شكا الناس إليه ثم أفطر فدل على أن الصوم أفضل والأحاديث في الباب كثيرة. وذكر الغزالي في الوجيز والصوم أحب من الفطر في السفر لتبرئة الذمة إلا إذا كان يتضرر به. وذكر الخطابي1 في معالم السنن اختلف أهل العلم في أفضل الأمرين فقالت طائفة أفضل, وإليه ذهب ابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحاق. وقالت طائفة مثل النخعي وسعيد بن جبير ومالك والثوري والشافعي, وأصحاب الرأي الصوم أفضل. وقالت طائفة منهم مجاهد وقتادة وعمر بن عبد العزيز أفضل الأمرين ما هو الأيسر منهما.
قوله"إلا أن يضعفه الصوم"استثناء من قوله, وكانت العزيمة أولى يعني إذا أضعفه الصوم فحينئذ كان الفطر أولى, ولو صبر حتى مات كان آثما; لأن الإفطار لزمه في هذه الحالة فلو بذل نفسه لإقامة الصوم صار قتيلا بالصوم, وهو المباشر لفعل الصوم فيصير قاتلا نفسه بما صار به مجاهدا, وهو الصوم من غير تحصيل المقصود, وهو إقامة حق الله تعالى; لأنه أخره عنه, وهو حرام كمن قتل نفسه بالسيف الذي يجاهد به مع الكفار كان حراما., وفي ذلك تغيير المشروع; لأن المشروع في حقه إما التأخير أو جواز التعجيل على وجه يضمن يسيرا فأما التعجيل على وجه يؤدي إلى الهلاك فليس بمشروع فكان فعله تغييرا للمشروع. أو معناه أن الصوم شرع لترتاض النفس لخدمة خالقها على ما مر في أبواب الأمر فإذا أدى إلى الهلاك لا يحصل المقصود, وهو الارتياض للخدمة فكان خلاف المشروع. فلم يكن نظير من بذل نفسه بقتل الظالم أي لا يكون المسافر فيما ذكر مثل المقيم المكره على الفطر بالقتل الصابر عليه إلى أن يقتل إقامة لحق الله تعالى; لأن القتل هناك صدر من المكره وأضيف إليه فلم يكن الصابر مغيرا للمشروع بفعله بل هو في الصبر مستديم للعبادة مظهر للطاعة وذلك عمل المجاهدين. وذكر الشيخ في شرح التقويم إذا لم يفطر في السفر أو المرض حتى مات كان آثما; لأن الله تعالى أحسن إليه بتأخير حقه وبالتعجيل مع الهلاك صار رادا عفوا لله تعالى, ومبتدئا من نفسه بالإحسان لا مقيما حق الله تعالى, وهذا لا يحسن شرعا وعقلا. وذكر في شرح التأويلات أن المسافر أو المريض إذا أكره على الإفطار فامتنع حتى قتل ينبغي أن لا يكون آثما بل يكون شهيدا لكونه مقيما حق الله تعالى إذ حقه لم يسقط ولهذا وجب القضاء, ولو سقط حقه أصلا لما وجب البدل إلا أنه
ـــــــ
1 هو حمد بن محمد بن إبراهيم الخطاب الخطابي البستي 319-388ه أنظر وفيات الأعيان 2/214- 217.