أصلا كان مجازا ومن حيث بقي مشروعا في الجملة كان شبيها بحقيقة الرخصة فكان دون القسم الثالث مثاله ما روي أن النبي عليه السلام رخص في السلم وذلك أن أصل البيع أن يلاقي عينا, وهذا حكم باق مشروع لكنه سقط في باب السلم أصلا تخفيفا حتى لم يبق تعيينه في السلم مشروعا ولا عزيمة; وهذا لأن
ـــــــ
المجاز غالبة على شبه الحقيقة; لأن جهة المجاز بالنظر إلى محل الرخصة وشبه الحقيقة بالنظر إلى غير محلها فكان جهة المجاز أقوى. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم. كان من عادتهم أنهم يبيعون الشيء الذي لا يملكونه ثم يشترونه بثمن رخيص ويسلمونه إلى المشتري فالنبي عليه السلام نهى عن ذلك ورخص في السلم للحاجة فشرطت العينية في عامة البياعات لتثبت القدرة على التسليم ثم سقط هذا الشرط في السلم بحيث لم يبق مشروعا حتى كانت العينية في المسلم فيه مفسدة للعقد لا مصححة له وذلك; لأن سقوط هذا الشرط للتيسير على المحتاجين ليتوصلوا إلى مقاصدهم من الأثمان قبل إدراك غلاتهم مع توصل صاحب الدراهم إلى مقصوده من الربح فكانت رخصة مجازا من حيث إن العينية سقط أصلا فيه للتخفيف, ولم تبق مشروعة كالأصرار والأغلال, ولكن لها شبه بالحقيقة من حيث إن العينية مشروعة في الجملة وذلك أي كون السلم من هذا القسم أو تسميته رخصة باعتبار أن الأصل في البيع أن يلاقي عينا لما روينا ولقوله عليه السلام لحكيم بن حزام.:"لا تبع ما ليس عندك1"ولنهيه عليه السلام عن بيع الكالئ بالكالئ. وقوله,"ولا عزيمة"بعد قوله مشروعا تأكيدا لاحتمال أن عدم بقائه مشروعا بطريق الرخصة أو تقديره لم يبق عزيمة, ولا مشروعا., وهذا أي سقوط العينية في باب السلم باعتبار تعين اليسر فيه; لأن العجز عن التعيين متحقق; لأن البيع بطريق السلم دليل العجز إذ لو لم يكن عاجزا لما باع بأوكس الأثمان, ولباعه مساومة لا سلما فلذلك لم يبق التعيين مشروعا أصلا كشرط الصلاة في حق المسافر.
قوله"وكذلك المكره", ومثل السلم المكره أي فعل المكره على شرب الخمر أو أكل الميتة رخصة مجازا بطريق حذف المضاف, وإقامة المضاف إليه مقامه أو كذلك المكره أو المضطر في الإقدام على الفعل مرخص بطريق إطلاق اسم المصدر على مفعول من جنسه.
واعلم أن العلماء اختلفوا في حكم الميتة والخمر والخنزير ونحوها في حالة
ـــــــ
1 أخرجه الترمذي في البيوع رقم 1232 وأبو داود في الإجازة حديث رقم 3503 وابن ماجة في التجارات حديث رقم 2187 والإمام أحمد في المسند 3/402.