دليل اليسر متعين لوقوع العجز عن التعيين فوضع عنه أصلا وكذلك المكره على شرب الخمر أو الميتة أو المضطر إليهما رخصة مجازا; لأن الحرمة ساقطة حتى إذا صبر صار آثما لأن حرمته ما ثبتت إلا صيانة لعقله ودينه عن فساد الخمر ونفسه عن الميتة فإذا خاف به فوات نفسه لم يستقم صيانة البعض
ـــــــ
الاضطرار أنها تصير مباحة أو تبقى على الحرمة ويرتفع الإثم. فذهب بعضهم إلى أنها لا تحل, ولكن يرخص الفعل في حالة الاضطرار إبقاء للمهجة كما في الإكراه على الكفر, وأكل مال الغير, وهو رواية عن أبي يوسف, وأحد قولي الشافعي وذهب أكثر أصحابنا إلى أن الحرمة ترتفع في هذه الحالة. وفائدة الاختلاف تظهر فيما إذا صبر حتى مات لا يكون آثما عند الفريق الأول, ويكون آثما عندنا. وفيما إذا حلف لا يأكل حراما فتناول هذه المحرمات في حالة الاضطرار يحنث عندهم, ولا يحنث عندنا. تمسكوا في ذلك بقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} "البقرة: 173". وقوله عز اسمه: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} "المائدة: 3". أي فمن دعته الضرورة إلى تناول شيء من هذه المحرمات المذكورة في مجاعة غير مائل إلى ما يؤمه, وهو أن يأكل الميتة فوق سد الرمق تلذذا فإن الله غفور يغفر له ما أكل مما حرم عليه حين اضطر إليه. رحيم بأوليائه في الرخصة لهم في ذلك كذا قال ابن عباس فدل إطلاق المغفرة على قيام الحرمة إلا أنه تعالى رفع المؤاخذة رحمة على عبادة كما في الإكراه.
وبأن حرمة هذه الأشياء بناء على صفات فيها من الخبث والضرر, ولا تنعدم تلك الصفات في حالة الضرورة فبقيت محرمة كما كانت ورخص الفعل بسبب الضرورة. ولنا قوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} "الأنعام: 119". فاستثنى حالة الضرورة, والكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء المستثنى فيثبت التحريم في حالة الاختيار وقد كانت مباحة قبل التحريم فبقيت في حالة الضرورة على ما كانت. وهذا على مذهب من جعل الأصل في الأشياء الإباحة قبل الشرع, وأما على مذهب من قال الحل والحرمة لا يعرفان إلا شرعا فيقال الاستثناء من الحظر إباحة فصار كأنه قال هذه الأشياء محرمة في حالة الاختيار مباحة في حالة الاضطرار فتثبت الإباحة في حالة الاضطرار بالنص أيضا. ولا يلزم عليه استثناء إجراء كلمة الكفر في حالة الإكراه بقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} "النحل: 106". فإنه لم يدل على إباحته.; لأنا لا نسلم أنه استثناء من الحظر ليدل على الإباحة بل هو استثناء من الغضب إذ التقدير من كفر بالله من بعد إيمانه فعليهم غضب إلا من أكره فينتفي الغضب بالاستثناء, ولا يدل انتفاؤه على