يحتمل التواطؤ وذلك كإخبار المجوس قصة زرادشت اللعين, وإخبار اليهود صلب عيسى عليه السلام, وهذا قول باطل نعوذ بالله من الزيغ بعد الهدى. بل المتواتر يوجب علم اليقين ضرورة بمنزلة العيان بالبصر والسمع بالأذن وضعا
ـــــــ
{وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} "البقرة: 260". أراد به كمال اليقين فقال معناها عندهم كذا ليتحقق الخلاف قالوا; لأن المتواتر صار جمعا بالآحاد وخبر كل واحد محتمل للكذب حالة الانفراد بانضمام المحتمل إلى المحتمل لا يزداد إلا الاحتمال إذ لو انقطع الاحتمال. ولم يجز الكذب عليهم حالة الاجتماع لانقلب الجائز ممتنعا, وهو ممتنع فثبت أن الاجتماع محتمل للتواطؤ على الكذب. ألا ترى أن المعنى الذي لأجله لا يثبت علم اليقين حالة الانفراد, وهو كون المخبر غير معصوم عن الكذب موجود حالة الاجتماع, وإذا جاز الكذب عليهم حالة الاجتماع انتفى اليقين عن خبرهم على أن اجتماع الجم الغفير على الإخبار بخبر واحد مع اختلافهم في الآراء, وقصد الصدق والكذب غير متصور كما لا يتصور اتفاقهم على أكل طعام واحد ووقوع العلم اليقيني به مبني على تصوره لا محالة ثم إذا انتفى اليقين عنه فأما أن يثبت به ظن كما قال الفريق الأول أو طمأنينة كما قال الفريق الثاني وذلك أي الاجتماع على التواطؤ على الكذب مثل إخبار المجوس عن زرادشت1 اللعين فإنه خرج في زمن ملك يسمى كشتاسب ببلخ وادعى الرسالة من أصلين قديمين وآمن به الملك, وأطبقت المجوس على نقل معجزاته, وقد كانوا أكثر منا عددا ثم كان ذلك كذبا بيقين إذ لو كان صدقا لزم منه صحة دعواه, وهي باطلة بيقين, وكذلك اليهود اتفقوا على قتل عيسى عليه السلام وصلبه والنصارى وافقوهم على ذلك ونقلوا ذلك نقلا متواترا, وعددهم لا يخفى كثرة ووفورا ثم قد ثبت كذبهم بالنص القاطع فثبت أن احتمال الكذب لا ينقطع بالتواتر, ومع بقائه لا يثبت علم اليقين, ولكن يثبت به طمأنينة للقلب بمنزلة من يعلم حياة رجل ثم يمر بداره فيسمع النوح ويرى آثار التهيؤ لغسل الميت ودفنه فيخبرونه أنه قد مات فيتبدل بهذا الحادث علمه بحياته بعلمه بموته على وجه طمأنينة القلب مع احتمال أن ذلك كله حيلة منهم وتلبيس لغرض كان لأهله في ذلك فهذا مثله كذا ذكر شمس الأئمة.
"وهذا"أي القول بأن المتواتر يوجب علم طمأنينة لا يقين قول باطل يؤدي إلى الكفر فإن وجود الأنبياء, ومعجزاتهم لا يثبت خصوصا في زماننا إلا بالنقل فإذا لم يوجب
ـــــــ
1 عاش زرادشت في منتصف القرن السابع قبل المسيح عليه السلام وتوفي علي الأرجح سنة 582 ق. م. أنظر مروج الذهب 1/229- 244.