فهرس الكتاب

الصفحة 988 من 2201

وتحقيقا أما الوضع فإنا نجد المعرفة بآبائنا بالخبر مثل المعرفة بأولادنا عيانا ونجد المعرفة بأنا مولودون نشأنا عن صغر مثل معرفتنا به في أولادنا وتجد المعرفة بجهة الكعبة خبرا مثل معرفتنا بجهة منازلنا سواء, وأما التحقيق فلأن الخلق خلقوا على همم متفاوتة وطبائع متباينة لا تكاد تقع أمورهم إلا مختلفة فلما وقع الاتفاق كان ذلك لداع إليه, وهو سماع أو اختراع وبطل الاختراع; لأن

ـــــــ

المتواتر يقينا لا يثبت العلم لأحد في زماننا بنبوتهم وحقيتهم حقيقة, وهذا كفر صريح, وضعا أي يوجب بوضعه وذاته العلم اليقيني من غير توقف على استدلال, وتحقيقا أي يدل الدليل العقلي على أنه يوجب اليقين لو رجعت إلى الاستدلال. وذكر في الميزان ونوع من المعقول يدل عليه أيضا, وهو أن الخبر المتواتر إما أن يكون صدقا أو كذبا, ولا يجوز أن يكون كذبا; لأنه إما أن يقع اتفاقا أو للتدين أو للمواضعة منهم عليه أو لداع دعاهم إليه. والأول فاسد; لأن صدور الكذب اتفاقا من جماعة كثيرة خرجوا عن حد الإحصاء لا يتصور عادة كما لا يتصور أن يجتمعوا على مأكل واحد, ومشرب واحد في زمان واحد اتفاقا. وكذا الثاني; لأن اجتماع مثل هذه الجماعة على الكذب تدينا مع كون العقل صارفا عنه وداعيا إلى الصدق, وعدم دعوة الطبع والهوى إليه لعدم اللذة والراحة في نفس الكذب أمر غير متصور عادة.

وكذا الثالث; لأن كثرتهم وتفرق أماكنهم واختلاف هممهم يمنع عن المواضعة عادة., وكذا الرابع; لأن الداعي إما الرغبة أو الرهبة فإنه يحتمل أن المرء يقدم على الكذب لرغبته إلى الجاه والمال, وأنواع النفع أو لخوف الإضرار على نفسه, وماله, وأهله بالامتناع عنه ممن يأمره بذلك, وهذا الداعي مما لا يتصور شموله في الجماعة العظيمة لاستغناء البعض على حشمة الأمر وجاهه, وماله بالكذب لكمال جاهه, وكثرة أمواله, وكذا احتمال خوف الضرر معدوم في حق البعض لكمال قوته بنفسه, وأتباعه نحو السلاطين والأمراء والرؤساء, وإذا لم يجز أن يكون كذبا تعين كونه صدقا إذ لا واسطة بين الصدق والكذب في الأخبار فكان مفيدا للعلم.

واعلم أن فتح باب الاستدلال في هذه المسألة يفضي إلى تطويل الكلام ويزداد ذاك إشكالات واعتراضات لا يتم المقصود إلا بالجواب القاطع عنها, ولا يمكن الجواب عنها إلا بعد تدقيقات عظيمة, ومن البين لكل عاقل أن علمه بوجود مكة, ومحمد صلى الله عليه وسلم أظهر من علمه بصحة الاستدلالات المذكورة في هذه المسألة, والتمسك بالدليل الخفي مع وجود الدليل الظاهر, وبناء الواضح على الخفي غير جائز فتبين أن الحق ما ذكرنا أن حصول العلم به ضروري والتشكيك والترديد في الضروريات باطل لا يستحق الجواب كذا قال بعض المحققين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت