فاعتبرناه في العلم; لأنا لا نجد وسعا في رد المتواتر, وإنما يشك فيه صاحب الوسواس, ونخرج في رد المشهور; لأنه لا يمتاز عن المتواتر إلا بما يشق دركه لكن العلم بالمتواتر كان لصدق في نفسه فصار يقينا, والعلم بالمشهور لغفلة عن ابتدائه وسكون إلى حاله فسمي علم طمأنينة, والأول علم اليقين.
ـــــــ
بالمشهور لغفلة عن ابتدائه وسكون إلى حاله يعني إنما يحصل له العلم بلا اضطراب وشبهة إذا غفل عن كونه خبر واحد في الأصل وسكن إلى شهرته الحادثة في الحال, وكونه مقبولا عند العلماء لكن لو تأمل في ابتدائه لاعتراه وهم وتخالجه شك فلذلك سمي علم طمأنينة.
قوله"وذلك"أي الزيادة على النص بالخبر المشهور. مثل زيادة الرجم في حق المحصن بقوله عليه السلام:"والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة". وبرجم النبي عليه السلام ماعزا وغيرهما. والمسح على الخفين بحديث المغيرة وغيره. والتتابع في صوم كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه فصيام ثلاثة أيام متتابعات. وقد تحقق النسخ معنى في هذه الصور بهذه الزيادات فإن عموم قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} "النور: 2". يتناول المحصن كما يتناول غيره فبزيادة الرجم انتسخ حكم الجلد في حقه. وكذا قوله تعالى {وَأَرْجُلَكُمْ} "المائدة: 6". يتناول حالة التخفف في إيجاب الغسل فبزيادة المسح انتسخ الحكم في هذه الحالة. وكذا إطلاق قوله عز اسمه: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} "البقرة: 196"و"المائدة: 89". يوجب جواز التفرق والتتابع فيه فبتقييده بالتتابع انتسخ جواز التفرق., وليس ما ذكرنا من قبيل التخصيص; لأن من شرطه عندنا أن يكون المخصص مثل المخصوص منه في القوة, وأن يكون متصلا لا متراخيا, ولم يوجد الشرطان جميعا. ثم النظائر الثلاثة المذكورة, وإن كانت متساوية في جواز الزيادة بها على الكتاب, ولكنها متفاوتة في حق تضليل جاحدها فقد قال عيسى بن أبان إن هذا القسم يعني الخبر الذي دون المتواتر ثلاثة أنواع.
قسم يضلل جاحده, ولا يكفر مثل خبر الرجم لاتفاق العلماء من الصدر الأول والثاني على قبوله. وقسم لا يضلل جاحده, ولكن يخطأ ويخشى عليه المأثم نحو خبر المسح على الخف لشبهة الاختلاف فيه في الصدر الأول فإن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم كانا يقولان سلوا هؤلاء الذين يرون المسح مثل مسح رسول الله عليه السلام بعد سورة المائدة, وقد نقل رجوعهما عن ذلك فلشبهة الاختلاف لا يضلل جاحده, ولكن يخشى