فهرس الكتاب
صلى الله عليه وسلم ـ"إذا طَلَّقَ الرجل امرأته ثلاثًا لاتَحِلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره ويذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه"رواه الأئمة واللفظ للدارقطني عن عائشة.
وحتى يكون زواج التحليل مُحَقِّقًا للغرض منه لابد فيه من أمرين أساسين، أولهما أن يكون العقد صحيحًا، والثاني أن يكون معه دخول صحيح ، فإذا اختل واحد منهما لم يكن مشروعًا، ولتوضيح ذلك نقول:
1 ـ حتى يكون العقد صحيحًا لابد من استيفاء الأركان والشروط المعروفة في كل زواج، وزاد العلماء عليه أن يكون خاليًا من نِيَّةِ التحليل، ونية التحليل لها حالتان.
أ ـ الحالة الأولى أن يُصرح بها في العقد، كأن يقول: تزوجتك على أن أُحللك لزوجك، وهو باطل لا تترتب عليه آثاره عند جمهور الفقهاء: مالك والشافعي وأحمد وعده ابن القيم من الكبائر لا فرق بين أن يكون اشتراط ذلك بالقول أو التواطؤ"زاد المعاد ج 4 ص 6"وذلك لأحاديث ، منها ما رواه الترمذي عن ابن مسعود وقال: حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجة وأحمد عن ابن عباس، والحاكم وصححه"لَعَنَ رسول الله المُحَلِّلَ والمحلَّلَ له"وما رواه ابن ماجة والحاكم من حديث عقبة بن عامر أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"ألا أُخبركم بالتَّيْسِ المعار"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال"هو المحلِّل ، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له".
وأما أهل الرأى"أبو حنيفة وأصحابه"فقال أبو حنيفة وزفر: يَصِحُّ العقد ويُحلها للأول، لأن الشرط الفاسد يُلغي ويَصح العقد، وقال محمد: إن العقد صحيح مع هذا الشرط، لأن الشرط يلغى ولكن هذا العقد لا يُحلها للأول، وقال أبو يوسف: العقد باطل ـ كرأي الجمهور ـ ولا يُحلها للأول.
هذا، وحكى الماوردي عن الشافعي أنه إن شَرَطَ التحليل قبل العقد صَحَّ النكاح وأحلها للأول، وإن شرطاه في العقد بطل النكاح ولم يُحلها للأول، وها قول الشافعي"تفسير القرطبي ج 3 ص 150".
ب ـ الحالة الثانية ألا يصرح بِنِيَّةِ التحليل في العقد وإن كان أمرًا معروفًا بين الناس أو على الأقل بين الأطراف الثلاثة، المطلِّق والمطلقة والمحلِّل، قال مالك: العقد غير صحيح ولا تحل للأول، لأن العبرة في الأحكام بالنيات، وكذلك قال أحمد بن حنبل ، جاء في"المغني"لابن قدامة الحنبلي أن نكاح المحلل باطل إنْ شَرَطَ أنه إذا أَحَلَّهَا فلا نكاح بينهما، وإن نَوَي التحليل من غير شرط فالنكاح باطل، وفي قولٍ: إنْ شَرَطَ عليه التطليق قبل العقد ولم يذكره في العقد ولم يَنْوِهِ فالعقد صحيح.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: ينعقد صحيحًا مع الإثم، ويترتب عليه حِلُّهَا للأول بعد الدخول والطلاق وانتهاء العِدَّةِ، لأن العبرة في الأحكام بالظاهر، وأما الشافعي فله قولان، القول الأول هو القديم كقول مالك وأحمد، والقول الثاني وهو الجديد كقول أبي حنيفة وأصحابه.
2 ـ أما الشرط الثاني وهو الدخول الصحيح، فهو أمر متفق عليه بين الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، ولا يكتفي فيه بمجرد الخلوة حتى لو كانت صحيحة، بل لابد فيه من اللقاء الجنسيِّ، والدليل على ذلك ما رواه البخاري وغيره عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ لما طَلَّقَ رفاعة القرظي امرأته فثبت طلاقها تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير، فجاءت إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تشكو إليه أن عبد الرحمن