هذا، وتحسن الإشارة إلى أنّ ابن الحاجب نفسه كان قد التفت إلى أنّه في بعضِ الموارد يمكن أن يعرب التابع عطفَ بيان وبدلًا أيضًا، وأرجع ذلك إلى اختلاف القصد، قال: «فإن قلتَ: جاءني زيدٌ أبو عمرٍو، فقد أوضحتَ زيدًا بأبي عمرٍو ... [فإذا] قصدت إيضاح الأوّل بالثاني، فهو عطف بيان لا بدل، والأوّل هو المقصود، وإن قصدت أنّ الثاني هو المقصود بالنسبة، والأوّل كالتوطئةِ له، كان بدلًا لا موضّحًا للأوّل» (2) .
وحدّه ابن عصفور (ت 669 هـ) بأنّه: «جريان اسم جامدٍ معرفة على اسم دونه في الشهرة أو مثله، يبيّنه كما يبيّنه النعت، ولا يشترط فيه أن
(1) شرح الرضيّ على الكافية 2 > 379.
(2) شرح الوافية نظم الكافية: 270 ـ 271.
يكون مشتقًّا ولا في حكمه» (1) .
ويلاحظ عليه:
أوّلًا: إنّ قوله: «ولا يشترط فيه ... إلى آخره» لا يناسب قوله: «اسم جامد» بل المناسب له أن يقول: ويشترط فيه أن لا يكون مشتقًّا ولا في حكمه.
ثانيًا: إنّه يرى جواز كون عطف البيان مساويًا للمتبوع في الشهرة، خلافًا لمن اشترط كونه أخصّ وأشهر من المتبوع، «قال في شرح الكافية: واشترط الجرجاني والزمخشري زيادة تخصيصه، وليس بصحيحرحمه الله لأنّه في الجامد بمنزلة النعت في المشتقّ، ولا يشترط زيادة تخصّص النعت، فكذا عطف البيان» (2) .
وقد نقل السيوطي عن ابن حيّان قوله: «شرط ابن عصفور أن يكون عطف البيان أعرف من متبوعه» (3) ، وهذا النقل منافٍ لِما أثبتناه عن ابن عصفور في حدّه لعطف البيان، ولعلّ له رأيًا آخر بهذا الشأن مذكور في غير كتاب المقرّب.
وأمّا ابن مالك (ت 672 هـ) فقد حدّ عطف البيان بأنّه: «التابع الجاري مجرى النعت في ظهور المتبوع، وفي التوضيح والتخصيص، جامدًا أو بمنزلته» (4) .
فقوله: « (الجاري مجرى النعت في ظهور المتبوع) أخرج به النعتَ
(1) المقرّب، ابن عصفور، تحقيق عادل عبد الموجود وعليّ معوّض: 327.
(2) همع الهوامع، السيوطي، تحقيق عبد العال سالم مكرم 5 > 191.
(3) همع الهوامع 5 > 191.
(4) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ابن مالك، تحقيق محمّد كامل بركات: 171.
وعطف النسق والبدل، و (في التوضيح والتخصيص) أخرج التأكيد، و (جامدًا) ذكره توكيدًا لإخراج النعت؛ فإنّه من جهة المعنى أشبه شيءٍ بعطف البيان. [وقوله] : أو منزل منزلته [أي منزلة الجامد] هو العلم الذي كان أصله صفة، فغلبت وصارت علمًا بالغلبة كالصَعِق» (1) .
وقد أشار ابن مالك بعد ذِكره هذا الحدّ إلى أنّ هناك موارد لا يمكن فيها إعراب عطف البيان بدلًا حتّى تبعًا لاختلاف القصد، كما لو «قُرِنَ بـ (أل) بعد منادى، أو تَبع مجرّدًا بإضافة صفة مقرونة بـ (أل) وهو غير صالحٍ لإضافتها إليه، وكذا إذا أُفردَ تابعًا لمنادى» (2) .
وحدّه ابن الناظم (ت 686 هـ) بأنّه: «التابع الموضّح والمخصّص متبوعه، غير مقصودٍ بالنسبة، ولا مشتقًّا ولا مؤوّلًا بالمشتقّ ...
فخرج بقولي: (الموضّح والمخصّص) التوكيد وعطف النسق، وبقولي: (غير مقصود بالنسبة) البدل؛ لأنّه في نيّة تكرار العامل ... وبقولي: (ولا مشتقًّا ولا مؤوّلًا بالمشتقّ) النعت» (3) .
وحدّه أبو حيّان (ت 745 هـ) بحدّين:
أوّلهما: إنّه «تابع أشهر من متبوعه، نحو: جاءَ أبو حفصٍ عمر، إذا كان عمر أشهر من الأوّل» (4) .
ويلاحظ عليه: إنّه لم يقيّده بكونه جامدًا أو غير مشتقّ، فلا يكون مانعًا من دخول ما يخرج بهذين القيدين.
(1) شفاء العليل في إيضاح التسهيل، السلسيلي، تحقيق عبدالله البركاتي 2 > 763.
(2) تسهيل الفوائد: 171.
(3) شرح ابن الناظم على الألفيّة: 201.
(4) شرح اللمحة البدرية، ابن هشام، تحقيق هادي نهر 2 > 240.
وثانيهما: «هو التابع لمثله أو دونه في الشهرة جامدًا» (1) ، وهو مقارب لحدّ ابن عصفور مضمونًا.
وحدّه ابن هشام (ت 761 هـ) بحدّين أيضًا:
(يُتْبَعُ)