ويرى مصطفى صادق الرافعي أن هذا الإيقاع القرآني الفريد هو مناط الإعجاز والتحدي لقريش لما قرأه عليهم رسول الله ? في بدء الدعوة. يقول الرافعي:"لما قرئ عليهم [يعني قريشًا] القرآن رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله، ألحانًا لغوية رائعة، كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها، فلم يفتهم هذا المعنى وأنه أمر لا قبل لهم به؛ وكأن ذلك أبين في عجزهم حتى إن من عارضه منهم كمسيلمة جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظمًا موسيقيًا أو بابًا منه، وطوى عما وراء ذلك من التصرف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني، كأنه فطن إلى أن الصدمة الأولى للنفس العربية إنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها. وليس يتفق ذلك في شيء من كلام العرب إلا أن يكون وزنًا من الشعر أو السجع".
وقد حاول سيد قطب توضيح حقيقة الإيقاع في القرآن فقال:"إن في القرآن إيقاعًا موسيقيًا متعدد الأنواع يتناسق مع الجو ويؤدي وظيفة أساسية في البيان. فالإيقاع الموسيقيي في القرآن الكريم ينبعث من تآلف الحروف في الكلمات، وتناسق الكلمات في الجمل، ومرده إلى الحس الداخلي. والإدراك الموسيقي الذي يفرق بين إيقاع موسيقي وإيقاع ولو اتحدت الفواصل والأوزان".
ويقترب الرافعي قليلًا من سر هذه الموسيقى فيقول:"فتألفت كلماته من حروف لو سقط واحد منها أو أبدل بغيره، أو أقحم معه حرف آخر، لكان ذلك خللًا بينًا أو ضعفًا ظاهرًا في نسق الوزن وجرس النغمة، وفي حس السمع وذوق اللسان، وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض، ولرأيت لذلك هجنة في السمع كالذي تنكره من كل مرئي لم تقع أجزاؤه على ترتيبها، ولم تتفق على طبقاتها، وخرج بعضها طولًا وبعضها عرضًا".
ويجب أن نلاحظ أن الإيقاع القرآني لا يعمل بصورة منفردة وبمعزل عن السياقات المتنوعة في النص القرآني، وذلك لأن النص القرآني منظومة متكاملة الأطراف يفضي بعضها إلى بعض في سياق تنظيمي فريد. فالإيقاع القرآني يتبع في نطاق عمله الموضوع الذي تتكلم عنه الآيات القرآنية.
ويرى سيد قطب أن الإيقاع القرآني يتنوع تبعًا للموضوع الذي تتحدث عنه الآيات القرآنية فمثلًا"التكوين الموسيقي في قوله تعالى: ?وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ? يذهب طولًا وعرضًا في عمق وارتفاع، ليشترك في رسم الهول العريض العميق، والمدات المتوالية المتنوعة في التكوين اللفظي للآية تساعد في إكمال الإيقاع وتكوينه واتساقه مع جو المشهد الرهيب العميق".
وإذا كانت العبارة القرآنية لا تقع على آذاننا اليوم موقع السحر والعجب والذهول، فالسبب هو التعود والألفة والمعايشة منذ الطفولة، والبلادة والإغراق في عامية مبتذلة أبعدتنا عن أصول لغتنا. ثم أسلوب الأداء الرتيب الممل الذي نسمعه من مرتلين محترفين يكررون السور من أولها إلى آخرها بنبرة واحدة لا يختلف فيها موقف الحزن من موقف الفرح من موقف الوعيد من موقف البشرى من موقف العبرة. نبرة واحدة رتيبة تموت فيها المعاني وتتسطح العبارات.
التشكل الإيقاعي في القرآن:
تنبع من النظم القرآني خصائص نغمية وإيقاعية تتشكل وفقًا للتوجه السياقي في كل جملة من آياته. ويتم هذا التشكل من خلال وضع الحرف أو الكلمة أو الجملة على هذا النحو من الأنحاء وذلك قصدأً إلى ملامح فنية تأتي في مقدمتها الموسيقى، وبذلك يضحي التعبير أبرع والتأثير أروع.
إن دور الإيقاع في القرآن- هذا الدور الكبير- لا تنبع أهميته من أنه أحد عناصر الأسلوب الفني أو وسيلته البارزة وسيلة التصوير والتعبير والتأثير فحسب، بل لأن له هدفًا دينيًا أولًا، ولأننا نستطيع أن نجعله- ثانيًا- أساسًا أو معيارًا أو مفتاحًا- اختر ما شئت- لأحد علوم القرآن الكريم.
(يُتْبَعُ)