فالإيقاع ذو هدف ديني من جانبين: جانب الحافظ وجانب المستمع، فالأول يساعده على حفظ القرآن وتذكره وتلاوته، والثاني يجعله ينفعل له ويتأثر به. ولعلنا نلمح أن إدراك الطفل لنغم الكلام وجرسه يسبق إدراكه لمعناه وأخيلته، كما أن الإنسان لديه ميلًا غريزيًا أو استعدادًا فكريًا لالتقاط وتذكر جملة من المقاطع الصوتية المنغمة والمترددة أكثر بكثير من استعداده لالتقاط بعض المقاطع العادية غير المموسقة من الكلام، وكل من شاهد حفظة القرآن من الأطفال يعرف أنهم يجدون سهولة واضحة في حفظه وتذكره أكثر مما يجدون في حفظ غيره من النصوص وتذكرها لأن الإيقاع يساعدهم على هذا.
وبالإيقاع نستطيع أن نعرف المكي من المدني لا سيما في تلك السور التي وقع حولها خلاف فقيل إنها مكية كما قيل إنها مدنية . ويمكن عن طريق فحص الموضوع والأسلوب وطريقة الأداء والوقوف عند نغم الآيات وإيقاعها أن نحدد - ونحن مطمئنون - مكية بعضها مثل: (التكاثر، والعاديات، والزلزلة، والرعد، والرحمن) ، ومدنية بعضها الآخر مثل: (الجمعة، ومحمد، والحج، والنساء) . ولنأخذ سورة الزلزلة مثالًا على هذا الإيضاح الإيقاعي . يقول تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا {1} وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا {2} وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا {3} يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا {4} بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا {5} يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ {6} فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ {7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ {8} ) .
تبدأ حركة النص عنيفة قوية، إنه يوم القيامة حيث ترجف الأرض وتزلزل، وتنفض ما في جوفها، تتخفف من أثقالها التي حملتها وناءت بها، ويقف الإنسان دهشًا ضائعًا مذعورًا يتساءل: ما الأمر؟ ما لهذه الأرض ترج وتزلزل، ماذا أصابها؟ وتتحدث الأرض، تصف ما جرى لها، إنه أمر الله، أمرها أن تمور فمارت، أن تقذف ما في بطنها فقذفت، هنا والإنسان مشدوه يكاد لا يلتقط أنفاسه، خائف يترقب، في لمحة سريعة يعرض مشهد القيامة من البعث حتى الحساب، الناس يصدرون كالجراد، وينتشرون موزعين متخالفين، فقوة الزلزلة وهول البركان العظيم فرقهم، جعلهم مذعورين خائفين أشتاتًا أشتاتًا حيارى يهرعون في كل اتجاه، ولكن إلى أين؟ إلى الميزان ليحاسبوا، ليروا أعمالهم، فمن يعمل الخير أو الشر مهما يكن هذا أو ذاك ضئيلًا ودقيقًا سيجده ماثلًا إزاءه، يراه رأي العين.
إيقاع النص يساوق هذا المعنى ويحمله فهو مثله لاهث سريع يرجف كالأرض وكالإنسان فرقًا واضطرابا ً. كل ما فيه متحرك بارز ماثل، الكلمات في جرسها، في طباقها وتوافقها، فيما تنشره من أفياء وظلال. كلمات (الزلزلة، أثقال، مثقال، ذرة، أشتاتاَ، ليروا، يره) كلها تشي بالموقف وتعبر عنه، ومع ذلك فهذه الكلمات وسائر ما في المعجم من أمثالها لا تبلغ في وصف المشهد قدر ما يبلغه الخيال السمعي والبصري حين يتملى النص، فالسورة هزة، وهزة عنيفة للقلوب الغافلة، هزة يشترك فيها الموضوع والمشهد والإيقاع اللفظي، إنها صيحة قوية مزلزلة للأرض ومن عليها، فما يكادون يفيقون حتى يواجههم الحساب والوزن والجزاء في بضع فقرات قصار، فهل هذا أو بعض هذا مما يجيء في السور المدنية، أو تعبر عنه وتصفه السور المدنية؟! .
مصدر الإيقاع القرآني:
أحيانًا قد نتساءل: ما مصدر الإيقاع في القرآن؟ وإلامَ يرجع؟ أو َيرجع إلى الآيات بما فيها من قيم موسيقية؟ أم يرجع إلى التنغيم بما فيه من قيم إنشائية، أم يرجع إلى مصدر غيبي بما له من سحر خفي نحس أثره في النفس ولا نعرف منبعه؟ وبكلمات أخرى هل يعود الإيقاع في القرآن إلى النص، أو إلى المقرئ (التالي) ، أو إلى المتلقي (السامع) ؟ ولنناقش المصادر الثلاثة.
أولًا: مصدر النص:
قررنا فيما سبق أن الإيقاع من خصائص الشعر والنثر معًا، ولذا فإنه من المفترض بنا الآن أن نميز بين ثلاثة أنواع من الإيقاعات النثرية:
الأول: إيقاع النثر العادي أو العام الذي يفلت من عنصري الانتظام والتوقيت .
والثاني: إيقاع النثر الفني الذي يعتمد بالصنعة عليهما.
(يُتْبَعُ)