معي مصلاي فبسطته و صليت الظهر أربع ركعات, و كانت رائحة كريهة تنبعث من أركان تلك الغرفة و إن كنت لم أر نجاسة فيها.
…و بعد نصف ساعة أي بعدما رجع الأمبر من الصلاة و علم أن أعوانه حبسوني في غرفة الموقوفين و هو يعلم خبثها تحركت فيه عاطفة الرفق, فأمر أحد الكتاب أن ينضم إلى موظف آخر و يترك غرفته حسبما سمعت و أمرني أن ينقلوني إلى غرفته, فسمعت صلصلة المفتاح في القفل ففتح الباب و دخل شرطي و قال لي: قم و اتبعني فانطلق بي إلى غرفة نظيفة فيها مقعد خشبي فجلست عليه و أغلق علي الباب بالمفتاح, فبعد قليل فتح الباب و دخل أحد الموظفين و هو من أقارب الأمير و هو المسمى ابن اليماني فجاءني بطعام فأكلت منه قليلا, و قال لي: إن الأمير نادم على عمله و لكنك أهنته أشد الإهانة على رؤوس الأشهاد فصار مضطرا إلى أن يعاملك بمثل هذه المعاملة فقلت له { اعملوا على مكانتكم إنا عاملون و انتظروا إنا منتظرون } هود:121,122.
…ثم علمت زوجتي بما وقع فبعثت لي فراشا و طعاما مع أخيها فلم أستطع أن آكل سيئا فقلت له: رده و آتني بالمصحف, لأن أحب أن أقرأ فيه لأكون أقوى على التدبر مني لو قرأت من حفظي فجاءني به.
…و في تلك الأيام كان المجاهد العظيم أمير البيان الأمير شكيب أرسلان قد توفي إلى رحمة الله فأدت أن أنظم قصيدة في رثائه فطلبت أداة كتابة فلم يأذن بذلك الأمير فأخذت أنظم القصيدة دون كتابة بيتا فبيتا حتى أكملتها ستة و عشرين بيتا لأنشرها يوم تأبينه أو أبعثها لتنشد في ذلك اليوم إن بقيت في السجن, فقضى الله سبحانه أن أخرج من السجن و أحضر يوم التأبين و أنشدها فيه و لم أر مناسبة لذكرها هنا لأنها لا تتعلق بالدعوةو و قد نقلها المجاهد الكبير محمد علي الطاهر في كتابه ذكرى الأمير شكيب أرسلان فليرجع إليه من شاء الاطلاع عليها.