…فقلت له: إنني ألتزم الصدق و ذلك يوقعني في مشاكل فقال لي: إن الصدق لا يوقع في المشاكل و إذا وقعت لصاحبه مشاكل فعقباها خير و إنما الذي أتعبنا هو الكذب ـ و وقع لي مثل ذلك في دمشق ـ فانحلت المشكلة بأن كتب المفتش نفسه على الصحيفة أن عندي عشرين جنيها. أبيت أن أكذب فكذب هو.
…و صلت إلى العراق عائدا من سفري الطويل في صيف سنة 1947م من تاريخ النصارى, و لما امتنع صالح جبر من الإذن لي بأخذ نسخة من شهادة التجنس بالجنسية العراقية و بقيت بلا عمل اخترت أن أسكن بالموصل لأن لي إخوانا صادقين في تلك المدينة, فسكنت فيها سبعة أشهر و بدأت الدعوة إلى الله فحصل إقبال عظيم من الناس و فرح بذلك إخواننا السلفيون.
…و كانت السلفثية موجودة قبل ذلك في الموصل و كان إمامها الشيخ عبد الله النعمة ـ رحمة الله عليه ـ و كان يلقي دروس القرآن في بيته مدة طويلة من الزمان يختمه ثم يبدأه من جديد, و يحضره كثير من الناس إلا أن توفي ـ رحمه الله ـ أما الشيخ صديق الملاح فكانت مدرسته هي المقهى في الموصل. و المقاهي في الموصل تختلف عنها في سائر البلدان ففي كل مقهى من مقاهي المسلمين مسجد و له مؤذن و إمام لصلاة المغرب و العشاء, إذا حضر وقت المغرب أذن المؤذن و أم الناس المسجد كلهم لا يبقى إلا يهودي أو نصراني, و أهل هذا البلد لهم فضائل و مزايا من أخصها الشجاعة و الكرم, و كان فيها أعداء للسنة و لكن لم يستطيعوا أن يمسونا بسوء.