…من فوائد هذه الرحلة أني لقية العالم الأمير المجاهد عمر أوزبك و هو عالم من خيرة علماء أوزبكستان من الأتراك المسلمين القاطنين بالاتحاد السوفييتي, حارب الاستعمار الروسي اثنتي عشرة سنة كما أخبرني هو بنفسه بذلك رحمة الله عليه و قص لي قصته, و هي باختصار لما وصل الزحف الشيوعي إلى بلاده نادى في الناس بالجهاد فتبعه تلاميذه و كثير من المؤمنين و خرجوا إلى الجبال و أخذوا يغيرون على العدو المغير على بلادهم ليسلبهم أثمن شيء عندهم و هو الدين, فما زالوا يحاربون مدة اثنتي عشرة سنة حتى قتل أكثرهم و ضاقت عليهم المعيشة ففروا إلى الحدود الأفغانية فقبض عليهم الأفغانيون, و كان مع الشيخ أهله و ثلاثمائة من خير أنصاره ثم عرفت الدولة الأفغانية فضل هذا الشيخ و علمه و صلاحه فأطلقت سراحه و أعطته مبنى كبيرا سكن فيه و جعل بعضه مدرسة و مسجدا ففرحت كثيرا بلقاء هذا الشيخ لأن نور الإيمان كان يشرق على وجهه كما قال تعالى: {سيماهم على وجوههم} الفتح:29.
…كنت أزور هذا الشيخ مرة بعد أخرى فجاءني يوما رجل و قال لي: إن زوجة الشيخ تسلم عليك و تقول: إنها علمت أن الشيخ فرح بقدومك و أجلك في ترجوا أن تشفع لها و لأولادها عنده أن يتكم معهم بلغتهم و لو ساعة في كل يوم, فقلت في نفسي: هذه معضلة! ثم ذهبت إليه و شفعت عنده فقال لي: إن الروسيين أجبرونا على تعلم لغتهم فتعلمناها, و أتقناها, و لو لا أنهم علموا أن تعلم لغة القوم يقرب المتعلم منهم لما أجبرونا على تعلم لغتهم فأنا لا أتكلم مع المسلمين الأقربين و الأبعدين إلا بلغة القرآن و الرسول صلى الله عليه و سلم فإن شاءت هي و أولادها أن أتحدث معهم فليتعلموا لغة القرآن و الرسول و أنا مستعد لتعليمهم إياها. و كان هذا الشيخ الجليل يتقن ثلاث لغات التركية و هي لغته و الفارسية و الروسية, كتابة و قراءة و تحدثا و تأليفا و كان رحمه الله صادقا فيما ذكر.