فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 300

…خرجت مسافرا من كابل يصاحبني الصديق المخلص محمد عمر في اليوم الذي لا تأتيني فيه الحمى على أنها بعد ذلك العلاج الغريب صارت لا تأتيني إلا خفيفة جدا. ركبنا في سيارة البريد فسلرت بنا ساعة واحدة, فأحسست بالجوع و لم أحس به منذ أن أصابتني الحمى إلا في تلك اساعة فقلت: يا محمد عمر أنا جائع فقال: هذه علامة خير أنا ماجئت بطعام لعلمي أنك لا تأكل و ما عندي إلا شيء من الخبز و المشمش, و المشمش في كابل مطعم بالخوخ كبير الحجم لذيذ الطعم, (و التطعيم هو أن يخذ غصن من شجرة فيحفر له في ساق شجرة أخرى غار و يدخل بعض الغصن في ذلك الغار ثم يسد فتتغير ثمرة الشجرة و تصير ممتزجة مع ثمرة الشجرة التي أخذ منها الغصن فيتألف منها حجم جديد و طعم جديد) . فأخرج لي ما عنده من الخبز و المشمش فأكلته كله و لم أشبع و مررت على مطعم فيه قدور كبيرة مملوءة باللحم و المرق و خبز أفغاني كبير يكاد الرغيف منه يكون كخمرة المصلي أي الحصير الذي يصلى عليه, فقلت لصاحب السيارة: قف فإني جائع جدا فقال لي: أمامك مطاعم أفضل من هذا. ثم تعطلت السيارة فلم نصل إلى أول مطعم إلا بعد مضي هزيع من الليل, و كنت خائفا أن لا أجد طعاما و لكني وجدته فأكلت شيئا كثيرا من اللحم و المرق و البطيخ و لم أجد خبزا ولم يضرني شيء من ذلك و لا أصابتني الحمى بعد ذلك, فتعجبت من تأثير ذلك العلاج العجيب و لم استطع تعليله إلى الآن و خطر ببالي أنه ربما كان حر الجمر و الدخان الذي كنت أتبخر به سبا في زوال الحمى, و قد خبرني بعض الأطباء الأوروبيين الذين هم معجبون بطب العرب أن العرب كانوا يداوون الشيء بجنسه لا بضده, كما يفعل اليونانيون فيداوون الحرارة بحرارة من نوع آخر و البرودة ببرودة من نوع آخر و هكذا, فإن صح ما قاله هذا الطبيب فلعل حرارة النار أذهبت حرارة الحمى بإذن الله و الله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت