…و عند منتصف ليلة السبت و هي الليلة الأولى التي قضيتها في السجن أو التوقيف كما يسمونه سمعت صلصلة المفتاح في القفل, ففتح الباب و جاءني ذلك الشرطي الذي كان يدفعني أمس و يقول: امش امشفأخذ يقبل يدي و رجلي و يقول: سامحني يا سيدي و لا تؤاخذني بما فعلت فإن هذا الأمير الظالم أمرني بذلك, و إن شيئت أن تخرج إلى صحن الدار لتستنشق الهواء النقي فأنا غي خدمتك و إن أردت طعاما أو شرابا أو فراشا فأمرني به, فدعوت له بخير و عفوت عنه و قلت: لا أحتاج إلى شيء.
…و في ضحى يوم السبت فتح الباب و أمرت بالخروج فلقيت شرطيا عند باب المبنى ينتظرني فقال لي: أنا رسول المراقب المدني إليك لتأتي إلى مكتبه و لأجل أن لا يراك الناس في هذه الحال سأخرج بك خارج المدينة و نسير في طريق البساتين إلى أن نصل إلى مكتب المراقب, فقلت له: أنت مخطئ في ظنك أتظن أني أستحيي أن يراني الناس و يعلموا أني مسجون على يد المستعمرين؟ إني أرى ذلك شرفا و أحب إعلانه فقال لي: على كل حال الأفضل أن لا نمر بالسوق فقلت له: إن أمرك المراقب بذلك فلا بأس, فانطلقت معه إلى المراقب فأجلسني أولا في مفسلم علي الفقيه سلام إجلال و تكريم و قال لي: جزاك الله خيرا لقد شرفت أهل العلم بصبرك و جهادك و شجاعتك. إن الناس كانوا يقولون: إن العلماء جبناء, فأقمت أنت البرهان على كذبهم, و أهل هذه المدينة اصبحوا يجلونك و يحبونك حتى الذين كانوا يعادونك من قبل, و في هذا اليوم ظهر لك مقال في صحيفة الحرية فتخطف الناس أجزاءها و قرأوا مقالك بشوق.