…في تلك الأيام جيء بجنازة محمد عزيز خان أخي الملك ناذر شاه قتل في جرمانية و كان سفيرا لأخيه في برلين, فوجهت أم الملك السابق أماني الله خان طالبا أفغانيا انتقاما لابنها فقتله, و كان وزير الخارجية فضل محمد قد عرض علي مرتين زيارة الملك فدعوت للملك بخير و قلت لا حاجة لي عند الملك و إنما جئت للقاء العلماء فإن كان واجب الضيفاة يقضي علي بزيارته فأنا مستعد لها, فلما جاءت جنازت أخيه رأى العالمان الجليلان سيف الرحمن و الشيخ منصور أنه لا بد من زيارته و تعزيته فذهبت معهما و عزيناه فتلقانا بما ينبغي للعلماء من الإجلال و جلسنا في مكان غير بعيد من مجلسه. و كان المجلس يضم جميع الوزراء و الأعيان و سفرا الدول كلهم فكانت الوفود من القبائل و المدن تأتي لتعزيته فلا يكاد الوفد الواحد يحصل على أكثر من خمس دقائق لكثرة الوفود و ضيق الوقت المحدد, و كان كل وفد يقدم أمامه قارئ القرآن فيقرأ آية واحدة ثم يعزونه بالفارسية و ينصرفون ليتقدم وفد آخر, و لما تكلم الملك بالفارسية فهمت تقريبا كل ما قال و في السوق إذا سمعت كلام أصحاب الدكاكين لا أفهم ما يقولون إلا قليلا, و سبب ذلك أن المتكلمين باللغة الفارسية في تلك البلاد مختلفون فكلما ازداد أحدهم علوا في الثقافة و الأدب الفارسي يكثر من إدراج المفردات و الجمل العربية في كلامه فلا يبقى إلا الضمائر و بعض الأفعال التي تختم بها الجمل, و بينما نحن كذلك جاء الشيخ عمر أوزبك و لم يصحبه أحد مع أن تلامذته يعدون بالمئات كما تقدم و أظن أنه فعل ذلك تواضعا و وقف أمام الملك فتعوذ و بسمل بصوت عال و بدأ بسورة طه حتى وصل إلى قوله تعالى {إن في ذلك لآيات لأولي النها} طه:54. و ذلك ربع هذه السورة و كانت قراءته في غاية الترتيل و لم يجرأ أحد أن يقول له: قد أطلت و أخذت أكثر من حقك من الوقت فاختم, ثم عزاه بالعربية الفصحى و انصرف.