…كان السفير الانكليزي في تطوان قد تعاون مع الإسبانيين في منعي من الرجوع إلى برلين و كان قد احتج على الإسبانيين بسبب المقالات التي كنت أنشرها في صحيفة الحرية لسان حزب الإصلاح الوطني و تقدم ذكر ما جرى بيني و بين نائبه في تطوان و كنت أظن أن محاربته لي لا تعدوا حدود تطوان, و إذا به يلاحقني إلى بغداد فقد كتب إلى السفارة الانكايزية في بغداد و أخبرها بحالي و حذرها مني فأوعزت إلى مطاياهها من العراقيين أن يحاربوني.
…و مما دل على ذلك أن السفارة التونسية في بغداد أقامت احتفالا فدعتني إليه فالتقيت هناك بصديقي الدكتور عبد الكريم كنون و هو رفيق لي في الدراسة في جامعة بون بألمانيا فأقبل عليه السفير الانكليزي في بغداد فقال له: أعرفك بالدكتور محمد تقي الدين الهلالي و أخذ يثني علي فلم يهش و لم يبش و لم يرحب بل قال له بالنكليزية ما معناه: أنا أعرفه جدا مع أني ما رأيته قبل ذلك اليوم.
…و لما ذهبت إلى التحقيقات الجنائية ـ و هو اسم دائرة الشرطة السرية ـ و طلبت إعطائي جواز سفر منعت من ذلك بدون بيان السبب, و استمررت على ذلك ثلاث سنين في كل صيف أتردد على تلك الدائرة مرارا و تكرارا ثم أرجع بخفي حنين, حتى رق قلب الموظف المختص و رحمني و قال لي: أيها الأستاذ إن منع إعطائك جواز السفر ليس بأيدينا بل هو في يد من فوقنا فلا تتعب نفسك بكثرة التردد, و اتفق أنني أطلعت أحد الإخوان على هذه القضية فقال لي: حل هذه المشكلة يسير بالنسبة إليك و لكنك لا تعرف طريق حلها فقلت: أفدني يرحمك الله فقال: إن مدير الشرطة العام هو ابن عم صديقك الحاج محسوب, و الحاج محسوب هو كبير هذه العشيرة و مدير الشرطة العام لا يعصي له أمرا فعليك به.