…بينما أنا جالس في مكتب الشيخ شرف الدين رحمه الله إذا بشاب أقبل في سيارة فخمة و كانت السيارة في ذلك الزمان قليلة و دخل المكتب و عليه بزة فاخرة من الثياب و روائح العطرتفوح منه و هو شاب في الثانية و العشرين من عمره فقام له الحاضرون كلهم و عظموه و تنافسوا في التقرب إليه و إطلاعه على ما طبع جديثا من الكتب, أما أنا فبقيت جالسا على كرسي أطالع في كتاب و لم أعبأ بمجيئه فلما جلس و اطلع على ما وجد من الكتب سأل الشيخ شرف الدين و كان يعلمه الأدب العربي عن قوله تعالى: {و امرأته حمالة الحطب} على أي شيء نصبت {حمالة} مع أن الظاهر يقتضي أن تكون مرفوعة لأنها صفة لامرأته, فقال الشيخ شرف الدين: أنا لا أجيبك بحضور الشيخ محمد تقي الدين الهلالي لأنه أعلم مني بالجواب فحينئ سلم علي الشيخ مصطفى و سألني عن حالي و بلدي فأخبرته أني من المغرب فقال لي: ما تقول في جواب السؤال الذي سمعت؟ فقلت له: هذه الكلمة ترفع و تنصب و رفعها و نصبها قراءتان سبعيتان, أما الرفع فواضح و أما النصب فبفعل محذوف و جوبا تقديره أذم, فطلب تفسير البيضاوي فوجد الأمر كما ذكرت له فأعجبه ذلك و استمر يسألني عن مسائل مختلفة مدة ساعة ثم قال للشيخ شرف الدين: أتريد أن تركب معي لأوصلك إلى بيتك؟ قال: نعم. و في صباح الغد قال لي الشيخ شرف الدين: إن ذلك الشاب الذي كان هنا أمس سألني عنك فأخبرته أنك تريد السفر إلى العراق ثم إلى الشام ثم إلى مصر و لكن السفارة الإنكليزية رفضت إعطاءك سمة الدخول إلى العراق, لأن بريطانيا كانت في ذلك الوقت في نزاع مع الحكومة التركية على لواء الموصل فكانت لا تأذن لأحد في زيارة العراق إلا إذا كان معروفا عندها بولائه لها فقال له الشيخ مصطفى: قل له أنا أستطيع أن آخذه إلى العراق بدون جواز فإن شاء أن يقيم عندنا بالبصرة لنستفيد من علمه فذلك ما نبغي, و إن أراد السفر إلى الشام أو مصر سهلت له طريقه إلى أن يصل إلى مقصوده, فقلت