و هذا الخليفة و إن كان مقيدا بسلاسل الاستعمار فإنه كان متصفا بالشهامة و الغيرة على الإسلام كما ستعرفه فيما بعد إلا أن الوشات من أعداء التوحيد و السنة بلغوه أني صرت من أتباع أمير العرائش السيد خالد الريسوني و كانت بينهما عداوة شديدة, و إن كان الخليفة في الظاهر هو نائب السلطان و هو الرئيس على جميع الأمراء إلا أن الاستعمار كان يسير على خططه المعوجة و مصالحه المنشودة و هو يعلم أن السيد خالد إدريسي النسب و كان أبوه قد ثار على الدولة العلوية و الخليفة علوي, و للاستعمار مصلحة كبيرة في إثارة الحزازات و المنافسة بين الأدارسة و العلويين جريا على قاعدة (فرق تسد) فلما بلغ الخليفة هذا الخبر قبله على علاته و لم يمحصه فلذلك خذلني عندما حبسني الإسبانيون.
و لما سمع خبر هذا الحادث الأمير خالد الريسوني رحمه الله كتب إلي بخط يده كتابا يقول فيه: إنه قد بلغني ما جرى عليك مما صنعته أيدي المغاربة و الإسبانيين فأسفت لذلك كثيرا فهلم إلي فإني مستعد لحمايتك و إكرامك ما دمت مقيما في المغرب لا تصل إليك يد مغربي و لا لإسباني و إن أردت السفر إلى الشرق أوصلتك إلى أي مكان تريد, و للم يكن لي أحد أستشيره إلا عالم المغرب و أديبه العبقري في هذا العصر الأستاذ عبد الله كنون لثقتي بحصافة رأيه و إخلاصه النصيحة فاستشرته, فقال لي: لا تفعل إن لك عند أبناء قومك المغاربة من علو المكانة و القدر أكثر مما للأمير خالد الريسوني فاقنع بحماية الله, فأخذت برأيه و كتبت إلى الأمير خالد و شكرته و اعتذرت عن قبول ما دعاني إليه, و لعم ـ بعد ذلك ـ الخليفة أن الوشاة خدعوه و أنني لم أكن من أتباع أمير العرائش و لا غيره و إنما كنت و لا أزال إن شاء الله من المتبعين للنبي صلى الله عليه و سلم.