السؤالكيف نجمع بين الحديثين التاليين: حديث: (مَن أتى عرافًا فسأله عن شيء فَصَدَّقه، لم تُقْبَل له صلاةٌ أربعين يومًا) .
وحديث: (من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدَّقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) ؟ فالسؤال هنا: هل التصديق يستمر مع الشخص، أم أنه ينقطع، حيث أنه صدقه في تلك اللحظة فقط، ولم يستمر في التصديق، كأن سأله شخص آخر، فدله، وهكذا؟
الجوابأما لفظ الحديث الأول فليس فيه (فَصَدَّقه) والصحيح: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاةٌ أربعين يومًا) وليس فيه لفظ التصديق.
أما الثاني: ففيه التصديق، ووجهُ كُفْرِه بما أنزل على محمد: أنه إذا استقر في نفسه أن هذا صادق وهو أمر غيبي مُسْتَقْبَل؛ فإن ذلك يتضمن الكفر بقوله تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل:65] .
والتصديق يكفي فيه أن يصدقه في أول الأمر، وليس معناه أن ينتظر حتى يصدقه الواقع، أو لا يصدقه؛ لأنه إذا انتظر وقال: ننظر، هل يقع ما قال أو لا يقع، فهذا لم يصدقه في الواقع؛ لكن لا تُقْبَل له صلاةٌ أربعين يومًا.
فالتصديق أن يطمئن إلى قوله، ويرى أنه حق وأنه واقع.
أما أن يقول: سأجرب، فهذا ما صدَّقه.
كذلك لو أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله ليُظْهِر كذبه، فإن هذا لا بأس به، فقد سأل النبيُّ صلى الله عليه وسلم ابن صياد الذي يدعي أنه يأتيه مَن يأتيه، سأله عن شيءٍ أضْمَرَه له وهو سورة (الدُّخان) ، فقال: الذي في نفسك هو (الدُّخ) ولم يتمكن من الوصول إلى التلفظ به كاملًا، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (اخسأ! فلن تَعْدُوَ قَدْرَك) .