فهرس الكتاب

الصفحة 5118 من 6569

تفسير قوله تعالى:(ولقد تركناها آية فهل من مدكر)

قوله: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر:15] ، قوله: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا} كلمة الضمير هاء اختلف فيها المفسرون: هل المعنى: ولقد تركنا هذه القصة وهي قصة نوح وإغراق قومه آية لمن يأتي بعدهم هذا وجه.

والوجه الثاني: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا} أي: السفينة، والمراد الجنس أي: جنس هذه السفينة أبقيناها آية لمن بعد نوح، وكلا الأمرين محتمل، والقاعدة في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين لا ينافي بعضهما الآخر وليس أحدهما بأرجح من الآخر فإنها تحمل على المعنيين جميعًا.

فنقول: إن الله ترك القصة آية وعبرة لمن يأتي بعد نوح، ترك السفينة آية وعبرة يصنع مثلها من يأتي بعده، ويدل لهذا القول وأنه غير ممتنع: أن الضمائر أحيانًا تعود إلى الجنس لا إلى الفرد، نظيره قول الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون:12-13] خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ما المراد بالإنسان؟ آدم، {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} [المؤمنون:13] ليس آدم هو الذي جعل نطفة في قرار مكين، بل الإنسان الذي هو جنس آدم وهم بنو آدم، ومثل ذلك عند بعض العلماء قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الملك:5] ليست المصابيح التي في السماء هي التي ترجم الشياطين ولكنها شهب تخرج منها فترجم الشياطين.

قوله: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر:15] الاستفهام هنا للتشويق، أي: هل أحد يدكر ويتعظ بما جرى للمكذبين بالرسل من إهلاكهم وتدميرهم؟ وقيل: إن الاستفهام للأمر، وأن المعنى: فادكروا، وسواء قلنا للتشويق أو للأمر، فإن الواجب علينا أن نتذكر، وأن نخشى من عقاب الله تبارك وتعالى، وعقاب الله تعالى لهذه الأمة خاصة لا يمكن أن يشملهم جميعًا، لكن قد يشمل مناطق معينة تؤخذ بالعذاب بما فعله السفهاء منهم، كما قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت