[ج 1: ص 156] عليه، فأفاق، وقال:"أصلى الناس بعد؟"فقالوا: لا يا رسول اللَّه وهم ينتظرونك! والناس عكفون ينتظرون رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ليصلي بهم العشاء الآخرة، فقال:"مروا أبا بكر أن يصلي بالناس"، فقالت عائشة: يا رسول اللَّه! إن أبا بكر رجل رقيق، وإنه إذا قام مقامك بكى، فقال:"مروا أبا بكر يصلي بالناس"، ثم أرسل إلى أبي بكر فأتاه الرسول، فقال: إن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر: يا عمر! صل بالناس! فقال: أنت أحق، إنما أرسل إليك رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم وجد رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج لصلاة الظهر بين العباس وعلي، وقال لهما: أجلساني عن يساره، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهو جالس، والناس يصلون بصلاة أبي بكر. ثم وجد خفة صلى الله عليه وسلم فخرج فصلى خلف أبي بكر قاعدا في ثوب واحد، ثم قام وهو عاصب رأسه بخرقة حتى صعد المنبر، ثم قال:"والذي نفسي بيده إني لقائم على الحوض الساعة، ثم قال: إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها، فاختار الآخرة"، فلم يفطن لقوله إلا أبو بكر فذرفت عيناه وبكى، وقال: بأبي وأمي نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا! فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إن أمنّ الناس علي في بدنه ودينه وذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام، سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر"، ثم نزل ودخل البيت، وهي آخر خطبة خطبها رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فلما كان يوم الإثنين كشف الستارة من حجرة عائشة والناس صفوف خلف أبي بكر، وكأن وجهه ورقة مصحف، فتبسم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فأشار إليهم أن مكانكم، وألقى السجف، وتوفي آخر ذلك اليوم، وكان ذلك اليوم لاثنتي عشرة خلون من شهر ربيع الأول. وكان مقامه بالمدينة عشر حجج سواء، وكانت عائشة تقول: توفي رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في بيتي ويومي وبين سحري ونحري، وكان أحدنا يدعو بدعاء إذا مرض، فذهبت أعوذ فرفع رأسه إلى السماء، وقال:"في الرفيق الأعلى!"ومر عَبْد الرحمن بْن أبي بكر وفي يده جريدة خضراء رطبة فنظر إليه فظننت أن له بها حاجة، فأخذتها فمضغت رأسها، ثم دفعتها إليه فاستن بها، ثم ناولنيها وسقطت من يده، فجمع اللَّه بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة. وكان أبو بكر في ناحية المدينة فجاء فدخل على رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهو مسجى، فوضع فاه على جبين رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وجعل يقبله ويبكي، ويقول: بأبي وأمي! طبت حيا وطبت ميتا! فلما خرج ومر بعمر بْن الخطاب، وعمر يقول: ما مات رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ولا يموت حتى يقتل