[ج 1: ص 166] فَقَالا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؟ قُلْنَا: نُرِيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلاءِ الأَنْصَارَ، قَالا: فَارْجِعُوا فَأَمْضُوا أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ فَأَتَيْنَاهُمْ، فَإِذَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَجُلٌ مُزَمَّلٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ: مَا شَأْنُهُ؟ قَالُوا: وَجِعَ، فَقَامَ خَطِيبُ الأَنْصَارِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَنَحْنُ الأَنْصَارَ، وَكَتِيبَةَ الإِسْلامِ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ رَهْطٌ مِنَّا وَقَدْ دَفَّتْ إِلَيْنَا دَافَّةٌ مِنْكُمْ، وَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا، وَيَحْضُنُونَا بِأَمْرٍ دُونَنَا. وَقَدْ كُنْتُ زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي مَقَالَةً أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ بِهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْ أَبِي بَكْرٍ بَعْضَ الْحَدِّ، وَكَانَ أَوْقَرَ مِنِّي، وَأَحْلَمَ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الْكَلامَ، قَالَ: عَلَى رِسْلِكَ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ: وَوَاللَّهِ مَا تَرَكَ كَلِمَةً قَدْ كُنْتُ زَوَّرْتُهَا إِلا جَاءَ بِهَا، أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا فِي بَدِيهَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْعَرَبُ هَذَا الأَمْرَ إِلا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَنَسَبًا، وَلَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ، وَأَخَذَ بِيَدِي، وَيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، فَوَاللَّهِ مَا كَرِهْتُ مِمَّا قَالَ شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، كُنْتُ لأَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي، لا يُقَرِّبُنِي ذَلِكَ إِلَى إِثْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ. فَلَمَّا قَضَى أَبُو بَكْرٍ مَقَالَتَهُ، قَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ، وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَإِلا أَجَلُنَا الْحَرْبُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ خُدْعَةٌ، قَالَ مَعْمَرٌ: فَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهُ لا يَصْلُحُ سَيْفَانِ فِي غَمْدٍ، وَلَكِنْ مِنَّا الأُمَرَاءُ، وَمِنْكُمُ الْوُزَرَاءُ، قَالَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ، فَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ بَيْنَنَا وَكَثُرَ اللَّغَطُ حَتَّى أَشْفَقْتُ الاخْتِلافَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ! ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، وَبَايَعَهُ الأَنْصَارُ، قَالَ: وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ حَتَّى قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدًا، قَالَ: قُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا فِيمَا حَضَرْنَا أَمْرًا كَانَ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ أَنْ يُحْدِثُوا بَعْدَنَا بَيْعَةً، فَإِمَّا أَنْ نُتَابِعَهُمْ عَلَى مَا لا نَرْضَى، وَإِمَّا إنْ نُخَالِفَهُمْ، فَيَكُونَ فَسَادًا فَلا يَغُرَّنَّ امْرَأً، يَقُولُ: كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً، وَقَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ إِلا أَنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا، وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ يُقْطَعُ إِلَيْهِ الأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ فَمَنْ بَايَعَ رَجُلا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لا يُبَايَعُ هُوَ وَلا الَّذِي بَايَعَهُ بَعْدَهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَقِيَاهُمَا مِنَ الأَنْصَارِ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، وَمَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ، وَالَّذِي قَالَ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ، الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ أبو حاتم: نظر المسلمون إلى أعظم أركان الدين وعماد الإسلام للمؤمنين فوجدوها الصلاة المفروضة، وأن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ولى أبا بكر إقامتها في الأوقات المعلومات،