[ج 1: ص 167] فرضي المسلمون للمسلمين ما رضي لهم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فبايعوه طائعين في سائر الأركان، وبايعوه في السر والإعلان. فلما كان اليوم الثاني قام عمر بْن الخطاب على المنبر، فتكلم قبل أبي بكر، فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس! إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا مني وما وجدتها في كتاب اللَّه ولا كانت عهدا عهده إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ولكني قد كنت أرى أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سيأمرنا بقول يكون آخرنا، وإن اللَّه قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم اللَّه لما كان قد هدى به أهله، وإن اللَّه قد جمع أمركم على خيركم! صاحب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا إليه فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة، بعد بيعة السقيفة. ثم تكلم أبو بكر فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، أيها الناس! فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم؛ فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء اللَّه، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء اللَّه، لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللَّه إلا ضربهم بالبلاء، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم اللَّه بالبلاء، أطيعوني ما أطعت اللَّه ورسوله، فإذا عصيت اللَّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم؛ قوموا إلى صلاتكم يرحمكم اللَّه. فلما فرغ الناس من بيعة أبي بكر وهو يوم الثلاثاء أقبلوا على جهازه صلى الله عليه وسلم فاختلفوا في غسله، فقالوا: والله ما ندري أنجرد رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه؟! فلما اختلفوا ألقى اللَّه عليهم السبات حتى ما منهم أحد إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت، لا يدرى من هو أن اغسلوا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه، فقاموا فغسلوه وعليه قميصه، فأسنده علي إلى صدره، فكان العباس والفضل والقثم يقلبونه، وكان أسامة بْن زيد وشقران مولياه يصبان عليه الماء، وعلي يغسله ويدلكه من ورائه لا يفضي بيده إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهو يقول: بأبي أنت وأمي! ما أطيبك حيا وميتا! ولم ير من رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شيء مما يرى من الميت. ثم كفن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، أدرج فيها إدراجا، ثم دخل الناس يصلون عليه أرسالا بدأ به الرجال، حتى إذا فرغوا أدخل النساء، ثم أدخل الصبيان، ثم أدخل العبيد، ولم يؤم الناس على رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أحد. وكان أبو عبيدة بْن الجراح يحفر كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بْن سهل يحفر كحفر أهل المدينة، وكان يلحد فدعا العباس بْن عَبْد المطلب رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى