[ج 1: ص 46] إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"بِالثَّمَنِ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجَهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ نِطَاقِهَا فَأَوْكَتْ بِهِ الْجِرَابَ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقِ، وَلَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلٍ، يُقَالُ لَهُ: ثَوْرٌ فَمَكَثَا فِيهِ ثَلاثَ لَيَالٍ قَالَ أبو حاتم: لما أمر اللَّه عز وجل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة استأجر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رجلا من بني الديل، وهو من بني عدي هاديا خريتا، والخريت الماهر بالهداية، قد غمس حلفا في آل العاص بْن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش فأمناه، ودفعا إليه راحلتيهما، وأوعده بغار ثور بعد ثلاث، وخرج صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حتى أتيا الغار في جبل ثور كمنا فيه، وخرج المشركون يطلبونهما حتى جاءوا إلى الجبل، وأشرفوا على الغار، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، لو أبصر أحدهم تحت قدمه لأبصرنا، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"يا أبا بكر! ما ظنك باثنين اللَّه ثالثهما". فأعمى اللَّه أعينهم عن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ فلما أيسوا رجعوا، ومكث رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار ثلاث ليال، يبيت عندهما عَبْد اللَّه بْن أبي بكر الصديق، وهو غلام شاب ثقف ثخن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح بمكة مع قريش كبائت بها، فلا يسمع أمرا يكاد به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط للكلام؛ ويرعى عليهما عامر بْن فهيرة مولى أبي بكر منيحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل يفعل ذلك في كل ليلة من الليالي الثلاث. ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث معه أبو بكر، وعامر بْن فهيرة، والدليل فأخذ بهم الدليل طريق الساحل فاجتنبوا ليلتهم حتى أظهروا، وقام الظهيرة رمى أبو بكر بصره هل يرى ظلا يأوون إليه؟ فإذا هم بصخرة، فانتهوا إليها، فإذا بقية ظلها فسوى أبو بكر، ثم فرش لرَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثم قال: اضطجع يا رسول اللَّه، فاضطجع. ثم ذهب ينظر هل يرى من الطلب أحدا؟ فإذا هو براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي يريدون من الظل، فسأله أبو بكر: لمن يا غلام؟ قال: لفلان، رجل من قريش، فعرفه أبو بكر، فقال: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، فقال: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم، فأمره فاعتقل شاة من غنمه، وأمره أن ينفض عنها من الغبار فحلب له كتيبه من لبن، وكان معه إداوة لرَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على فمها خرقة فصب اللبن حتى برد أسفله، ثم ملأها فانتهى بها إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقد استيقظ، فقال: اشرب يا رسول اللَّه! فشرب وشرب أبو بكر، فقال أبو بكر: قد أتى الرجل يا رسول اللَّه، قال:"لا تحزن"، والقوم يطلبونهم. قال سراقة بْن مالك بْن جعشم: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فقال سراقة: فبينا أنا جالس في مجلس