[ج 1: ص 47] من مجالس قومي بني مدلج، إذ أقبل رجل فقال: يا سراقة، إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت لهم إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في مجلس ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي من وراء أكمة فتحسبها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فحططت بزجة الأرض، حتى أتيت فرسي فركبتها، ودفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم، فعرد بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أخرج أم لا! فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام فقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكن تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقلت: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم بأخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم بالزاد والمتاع، فلم يرزآني، ولم يسألاني إلا أنهما قالا: أخف علينا، فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة وأمن، فأمر أبا بكر فكتب لي في رق من أدم، قال سراقة: والله لأعمين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمر على إبلي وغنمي بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لا حاجة لنا في إبلك وغنمك"، وانطلق راجعا إلى أصحابه، ومضى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فلقي الزبير بْن العوام في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا بيضا. ثم ساروا إلى خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة تسقي وتطعم، فينالونها تمرا ويشترون، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، فإذا القوم مرملون مسنتون فنظر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر خيمتها فقال:"ما هذه الشاة يا أم معبد؟"قالت: خلفها الجهد عن الغنم فقال:"هل بها من لبن؟"قالت: هي أجهد من ذلك، قال:"أتأذنين لي أن أحلبها"قالت: نعم بأبي وأمي! إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم اللَّه عليه وقال:"اللهم بارك لها في شاتها"فتفاجت ودرت واجترت، فدعا بإناء لها يربض الرهط، فحلب فيه ثجا، حتى علاه البهاء فسقاها فشربت حتى رويت، وسقا أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم وقال: ساقي القوم آخرهم شربا، فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى أراضوا، ثم حلب فيه