[ج 1: ص 48] ثانيا عودا على بدء، فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها، فقل ما لبثت فجاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا له حفلا عجافا يتساوكن هزلا، مخهن قليل، لا نفى بهن؛ فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين لك هذا والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت؟! فقالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، قال: والله إني أراه صاحب قريش الذي نطلبه، صفيه لي يا أم معبد قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، مليح الوجه، حسن الخلق لم تعبه ثجلة، ولم تزره صلعة، وسيم، جسيم، قسيم في عينيه دعج، وفي أشفاره، وطف، وفي صوته صهل، أحور، أكحل، أزج، أقرن، رجل شديد سواد الشعر، في عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق فصل لا نزر، ولا هذر، أجمل الناس، وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا يتثنى من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرات، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تسارعوا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس، ولا مفند؛ قال: هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره، لو كنت وافقت لالتمست إلى أن أصحب، ولأفعلنه إن وجدت إلى ذلك سبيلا، وأصبح صوت بمكة عاليا يسمعونه، ولا يدرون من يقوله، وهو يقول
جزى اللَّه رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به فأفلح من أمسى رفيق مُحَمَّد
فيال قصي ما روى اللَّه عنكم به من فعال لا تجازى وسؤدد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت له بصريح ضرة الشاة مزبد
فغادره رهنا لديها لحالب يرددها في مصدر ثم مورد
فأجابه حسان بْن ثابت:
لقد خاب قوم زال عنه نبيهم وقد سر من يسري إليه ويغتدي
ترحل عن قوم فضلت عقولهم وحل على قوم بنور مجدد