[ج 1: ص 87] واحتمل الناس قتلاهم، فأمر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن يدفنوهم حيث صرعوا بدمائهم، وأن لا يغسلوا، ولا يصلى عليهم. فكان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ويقول:"أيهم أكثر أخذا للقرآن؟"فإذا أشير إليه بأحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، قال: انظروا عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد. ثم قال صلى الله عليه وسلم: إن الله جعل أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم، ومأكلهم، وسقياهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع ربنا بنا". فأنزل الله {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية، وكان ابن عمير لم يترك إلا بردة واحدة، فكانوا إذا غطوا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطوا رجليه بدا رأسه، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"غطوا رأسه واجعلوا على رجليه شيئا من الإذخر". ثم قدم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المدينة بمن معه من المسلمين، فمر بدار من دور الأنصار فسمع البكاء على قتلاهم، فقال:"لكن حمزة لا بواكي له". فلما سمع سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير أمرا نساء بني عبد الأشهل أن يذهبن فيبكين على عم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فلما سمع رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:"اجعل". ثم ناول علي بن أبي طالب سيفه فاطمة، وقال: اغسلي عن هذا دمه، فوالله لقد صدقني اليوم، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لئن كنت صدقت القتال اليوم لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة". فلما كان ثاني يوم أحد أذن مؤذن رسول صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب القوم، فخرج رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وقال:"لا يخرج معنا إلا من حضر يومنا بالأمس". وكان أكثر أصحاب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جرحى، فمر على رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بتهامة، فقال: والله يا محمد لقد عز علينا ما أصابك، ولوددنا أن الله كان أعفاك منهم. ثم خرج فلحق أبا سفيان بالروحاء ومن معه من قريش وقد أزمعوا الرجوع إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقد توامروا بينهم وقالوا: رجعنا قبل أن نصطلم أصحاب محمد نرجع فنكر على بقيتهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا مقبلا، قال:"ما وراءك يا معبد". قال: محمد قد خرج في أصحابه في طلبكم في جمع لم أر مثله يتحرقون عليكم تحرقا، قال: ويلك ما تقول! والله لقد أجمعنا للكرة على أصحابه لنصطلمهم، قال: فإني والله أنهاك عن ذلك بهم!"