[ج 1: ص 86] الصخرة. ثم قال:"أوجب طلحة الجنة". وكانت هند واللاتي معها جعلن يمثلن بالقتلى من أصحاب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان والآناف، حتى اتخذت هند قلائد من آذان المسلمين وآنفهم، وبقرت عن كبد حمزة فلاكته فلم تستطعه فلفظته، ثم علت صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها بشعر أكره ذكره. فقتل من المسلمين سبعون رجلا في ذلك اليوم منهم أربعة من المهاجرين، وكان المسلمون قتلوا اليمان أبا حذيفة وهم لا يعرفونه، فأمرهم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا ديته. وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلا. ثم إن أبا سفيان أراد الانصراف فصرخ بأعلى صوته: الحرب سجال أعلُ هبل، يوم بيوم بدر، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثم ناحية:"الله أعلى وأجل لا سواء! قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار". فقال أبو سفيان: يا عمر أنشدك الله أقتلنا محمدا؟ فقال: اللهم لا! وإنه ليسمع كلامك، فقال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة ولكن موعدكم بدر، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"هو بيننا وبينكم". رحل أبو سفيان بالمشركين، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب:"اخرج في آثار القوم فإن كانوا قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأنجزتهم!"، فخرج في آثارهم فأراهم قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة، فرجع إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فأخبره. وفرغ الناس لقتلاهم، وخرج رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يلتمس حمزة فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به فوقف عليه، وقال:"لولا أن تحزن صفية أن تكون سنة بعدي ما غيبته، ولتركته حتى يكون في بطون السباع والطير، ولئن أظهرني الله عليهم لأمثلن". فأنزل الله {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا} الآية، ثم أمر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فسجى ببردة. ثم قال صلى الله عليه وسلم:"من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع، أفي الأحياء هو أم في الموات"؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم! فنظره فوجده جريحا في القتل وبه رمق، فقال له: إن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات، فقال: أنا في الأموات، أبلغ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول جزاك الله عنا خير ما جزى نبي عن أمته، وأبلغ قومك السلام، وقل لهم: إن سعدا يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، ثم مات. فجاء إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأخبره.