فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 473

قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) } [الحج: 27] .

والمعنى: أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن ينادي في الناس بالحج إلى البيت الحرام، يأتوك بعد دعوتهم {رِجَالًا} جمع راجل أي: ماشيًا على رجليه، {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} : أي على كل ما يركب من فرس وناقة وغير ذلك، ووصف بالضمور لأنه لا يصل إلى البيت إلا بعد ضموره، يأتين من {كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} أي: طريق بعيد [1] .

استنبط منها بعض العلماء أن المشي أفضل في الحج [2] .

ووجه الاستنباط:

أن الله تعالى قدم المشي على الركوب [3] .

تحليل الاستنباط:

وهذا الاستنباط مبني على قاعدة التقديم في الذكر هل يقتضي الأفضلية، والمستنبط هنا نظر إلى أن التقديم في الذكر يقتضي الأفضلية فاستنبط من ذلك أفضلية المشي في الحج على الركوب لتقديمه في الذكر عليه.

والصحيح أن التقديم في الذكر عند العطف له مقاصد متعددة قال ابن القيم (ت:752 هـ) :"تتقدم المعاني بأحد خمسة أشياء: إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما بالرتبة، وإما بالسبب، وإما بالفضل والكمال" [4] .

(1) انظر: التسهيل لابن جزي: (445) ، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: (914) ، وفتح القدير للشوكاني: (1162 ـ 1163) .

(2) انظر: التسهيل لابن جزي: (445) ، أحكام القرآن لابن العربي: (3/ 1280) ، ونقله السيوطي عنه في الإكليل: (3/ 972) ، وكذا الآلوسي في روح المعاني: (9/ 137) ، وانظر: بدائع الفوائد: (1/ 59، 65) ، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: (914) ، والبحر المحيط لأبي حيان: (6/ 338) ، وأضواء البيان: (5/ 67) .

(3) قال الرازي:"بدأ الله بذكر المشاة تشريفًا لهم". التفسير الكبير: (23/ 29) .

(4) بدائع الفوائد: (1/ 58) . وذكر أمثلة منها:

مثال المتقدم بالزمان: {وَعَادٍ وَثَمُودَ} [التوبة: 70] و {الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] .

ومثال المتقدم بالطبع: {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] و {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] .

ومثال المتقدم بالرتبة: يَأْتُونِي رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) [الحج: 27] لأن الذي يأتي راجلًا يأتي من المكان القريب، والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد، وكذلك تقدم هماز على مشاء بنميم لأن المشي مرتّب على القعود في المكان والهماز هو العيّاب وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه بخلاف النميمة.

ومثال المتقدم بالسبب: {يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) } [البقرة: 222] لأن التوبة سبب الطهارة، وكذلك {كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) } [الشعراء: 222] لأن الإفك سبب الإثم.

ومثال المتقدم بالفضل والكمال: {النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} [النساء: 69] وتقديم السمع على البصر وسميع على بصير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت