ومن هذه الدلالة ما استنبطه حَبْرُ الأمة عبد الله بن عباس (ت: 68 هـ) رضي الله عنهما من سورة النصر حيث قال:"هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه"ووافقه عليه عمر (ت: 23 هـ) رضي الله عنه بقوله:"لا أعلم منها إلا ما تقول" [1] [2] .
قال ابن القيم (ت: 752 هـ) :"وهذا من أدق الفهم وألطفه، ولا يدركه كل أحد" [3] .
ووجه الاستنباط: أن هذا الفهم الدقيق اللطيف له قرائن تدل عليه منها:
أن الله لم يعلق الاستغفار بعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بل بعمل الله عز وجل وذلك ليس بسبب الاستغفار، فعلم أن سبب الاستغفار غيره وهو حضور الأجل إذ العبد مطالب بأن يتطهر للقاء سيده فيقدم عليه وهو أهل لنواله.
ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكثر الناس تسبيحًا واستغفارًا فلا يكون الأمر في {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 3] على النحو الذي هو حاصل منه من قبله بل هو ترقية في مقام العبودية تهيئة لانتقاله إلى الرفيق الأعلى.
ومنها: أن بقاءه صلى الله عليه وسلم مقرون بكمال الدين وحيًا واستقرار أمره دعوة، وقد جاء نصر الله والفتح، فيلزمه اقتراب انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
(1) انظر هذا الاستنباط في: صحيح البخاري (مع الفتح) في كتاب التفسير: باب قوله {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) } : (8/ 606) حديث رقم (4970) وسنن الترمذي في كتاب التفسير باب ومن سورة النصر: (1/ 450) ، وجامع البيان لابن جرير: (12/ 730) ، والكشاف للزمخشري: (6/ 453) ، وزاد المسير لابن الجوزي: (1599) ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (20/ 229) ، وتفسير القرآن العظيم: (1036) و (1510 ـ 1511) ، والإشارت الإلهية للطوفي: (3/ 425) ، وتيسير الكريم الرحمن للسعدي: (866) .
(2) أدخل عدد من العلماء هذا المثال في دلالة الإشارة.
(3) إعلام الموقعين: (1/ 266) .