ونقل عن المرسي [1] (ت: 655 هـ) قوله:"جَمَعَ القرآنُ علومَ الأولين والآخرين، بحيث لم يُحِط بها علمًا ـ حقيقةً ـ إلا المتكلمُ به، ثم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ـ خلا ما استأثر به سبحانه ـ ثم وَرِثَ عنه معظمَ ذلك ساداتُ الصحابة وأعلامُهم ..." [2] .
ثم ذكر المرسي (ت: 655 هـ) ما أُخِذَ من القرآن من العلوم الإسلامية ثم قال:"هذه الفنون التي أخذتها المِلّةُ الإسلاميةُ منه، وقد احتوى على علومٍ أُخَر من علومِ الأوائل، مثل الطب، والجدل، والهيئة، والهندسة، والجبر، والمقابلة، والنجامة، وغير ذلك" [3] .
وأكثر عباراتُ المفسرين والمحققين على أن المقصود هو العموم الذي أريد به الخصوص [4] ، ويكون المراد: أن في القرآن بيانًا لكل شيءٍ من أمور الدين، أو لما لمثله تجيء الشرائع. وإليك بعض أقوال المفسرين في ذلك:
• قال الإمام محمد بن علي القصَّاب [5] (ت: بعد 360 هـ) في قوله تعالى: {وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف: 145] :"يعني ـ والله أعلم ـ لكل شيءٍ أُريد منهم"
(1) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل المُرْسي أبو عبد الله، العلامة شرف الدين النحوي الأديب الزاهد المفسر المحدث الفقيه الأصولي، سمع من ابن الفرس وروى عنه المحب الطبري له: التفسير الكبير والأوسط والصغير لم تطبع، توفي سنة 655 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: (8/ 69) ، طبقات المفسرين للسيوطي: (35) ، وطبقات المفسرين للداودي: (239) .
(2) الإكليل: (1/ 243) ، ومعترك الأقران: (1/ 17) . ونقل السيوطي عن ابن أبي الدنيا قوله:"وعلوم القرآن وما يستنبط منه بحرٌ لا ساحل له". الإتقان: (2/ 451) .
(3) الإكليل: (1/ 247) . ثم ذكر المرسي بعد ذلك ما في القرآن من أصول الصنائع وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها كالخياطة والحدادة والبناء والنجارة والغزل والنسج والفلاحة وغيرها. الإكليل: (1/ 247 ـ 253) . ويظهر مما ذكره من الأمثلة أن مقصوده بالاحتواء مجرد الذكر، فإذا ذُكر شيء له تعلق بعلم اعتبر ذلك احتواء لذلك العلم.
(4) قال شيخ الإسلام:"وليس استعمال العام وإرادة الخاص ببدع في الكلام؛ بل هو غالب كثير". مجموع الفتاوى: (21/ 552) .
(5) محمد بن علي بن محمد الكرجي الإمام أبو أحمد القصاب المجاهد، عُرف بالقصاب لكثرة ما أَهْرَقَ من دماء الكفار في الغزوات، من مصنفاته: نكت القرآن الدالة على البيان، بقي إلى قريب سنة 360 هـ. انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي: (3/ 100) ، طبقات الحفاظ للسيوطي: (380) ، الوافي بالوفيات للصفدي: (4/ 85) .