ومن العجيب حقًّا أن عددًا غير قليل من الأحاديث التي نافح عنها القاضي؛ وهو معتزلي قديم، أثار حولها الشكوك نفر من المعجبين بفكر المعتزلة من المعاصرين (567) ، وبعد أن كانت العلة القديمة في ردها؛ هي التعارض مع قضايا العقول، صارت العلة عند المعاصرين؛ هي مخالفة المقررات العلمية الحديثة وعدم التوافق معها.
كذلك من المفارقات الغريبة؛ أنه في الوقت الذي دافع فيه المعتزلة عن كثير من الأحاديث أمام أعداء الإسلام الخارجيين، نجدهم في مجادلة الفرق الكلامية الأخرى يردون عشرات الروايات ويلوون أعناقها، وربما كان التفسير المحتمل لهذه الظاهرة؛ وجود حالة من الاستنفار النفسي أمام العدو الخارجي، تولد حرصًا شديدًا على ألا يجد مدخلًا للطعن في الإسلام؛ بينما يخبو تأثير تلك الحالة في النزاع مع المنتسبين للإسلام.
وتتغلب محاولة كل فريق، وحرصه على تعضيد مذهبه على الاعتبارات الأخرى، مع اطمئنانه إلى أن من يجادله مسلم، لن يجد ثغرة ينفذ من خلالها للتشكيك في الإسلام ونصوصه، مما يوسع من مجال انتقاد الأحاديث، وتضعيفها، وإرجاع ذلك إلى ضعف الرواة وقلة ضبطهم.
لعل ما سبق من نصوص وآراء لأئمة الاعتزال كافٍ في التدليل على إثبات حجية السُّنَّة عندهم، وكونها محل اتفاق من المذهب بأكمله، وإذا كان مسلكهم العملي في الاستدلال قد شابه الكثير من التجاوزات، والرد لعدد من نصوصها، إلَّا أن أحدًا منهم لم يصرح بإنكار حجيتها جملةً، وتفصيلًا.
ومع ذلك فقد نسب الشيخ محمد الخضري (568) إلى نفر من معتزلة البصرة إنكار حجية السنة، معتمدًا على مناظرة جرت بين الإمام الشافعي وجماعة من منكري حجية الأخبار، ولم يوضح الشافعي إلى أي طائفة تنتسب تلك الجماعة؛ بينما رجَّح الشيخ الخضري أن يكونوا من معتزلة البصرة، وأيَّد هذا الاحتمال بأمرين (569) :