المبحث الأول
عدالة الصحابة بين المعتزلة والأشاعرة
يكتسب البحث في عدالة الصحابة أهمية كبيرة، كما يترتب على التشكيك فيها نتائج ذات آثار خطيرة على سائر الأدلة النقلية؛ نظرًا لتوقف ثبوتها على تقرير عدالتهم والتأكد منها، ولعل إطلالة سريعة على طبيعة ورود تلك الأدلة، وطريقة نقلها، وكيفية وصولها إلينا، يكفي للتدليل على ذلك.
فالمصدران الأوَّلان -وهما: القرآن والسُّنَّة- نُقلا عن طريق الصحابة الذين يمثلون الطبقة الأولى في سند روايتهما، وإذا كان القرآن منقولًا عن طريق التواتر -وربما تُسُومِحَ في عدالة رواته- فالسُّنَّة باعتراف المتكلمين وردت في مجملها عن طريق الآحاد، وأي طعن في نَقَلَتِهَا -ولا سيما الطبقة الأولى- يُسقط الثقة فيها جملة وتفصيلًا.
أما الإجماع، فإن أبرز صوره وأقربها للوقوع الفعلي إجماع الصحابة، وإذا طُعن في عدالتهم فإجماع الفساق غير معتبر، ولا يصح التعويل عليه، أو الاعتداد به في إثبات حكم عقدي، أو حتى حكم فقهي عملي.
ويبقى المصدر الرابع وهو أقوال الصحابة أنفسهم، ولا يخفى أنه معتمد كلية على تقرير عدالتهم؛ إذ لا قيمة مطلقًا لأقوال الفساق أو غير العدول في الأصول العقدية أو الأحكام الفقهية، وعدم التسليم بتوثيقهم يجعل هذا الدليل عديم الفائدة، ولا طائل وراءه.
ونظرًا لهذا الارتباط الوثيق والصلة العميقة بين ثبوت الأدلة النقلية وتقرير حجيتها وبين القول بتوثيق الصحابة، فإن أية محاولة للخدش في عدالتهم تئول إلى لون من الطعن الخفي -بجهل أو بعلم الطاعن- في حجية أدلة الشريعة ونصوصها جميعًا، مما يدعونا إلى دراسة الموقفين الاعتزالي والأشعري من هذه القضية، وبيان المسلك الذي اتخذوه تجاهها بعد أن نمهد ببيان مفهوم الصحابي عند المدرستين.