فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 584

وتجدر الإشارة إلى وجود اتجاه داخل المذهب الأشعري ذي سمات واضحة، يمكن أن يُطلق عليه المحدثون من الأشاعرة، أو أشاعرة المحدثين؛ وهم نفر من المهتمين بالحديث ودراسته والتأليف فيه، حتى بلغوا في ذلك شأوًا بعيدًا، وهم في الوقت ذاته متبنون للمذهب الأشعري أو بعض أصوله عقديًّا، وأبرز خصائص هذا الاتجاه: العناية بالنصوص قرآنا أو سُنَّة، والإقلال من التأويل، وعدم الإغراق في التفريعات والتدقيقات الكلامية، ومن أشهرهم ابن عساكر، والبيهقي، والسبكي، والنووي، وابن حجر، والسيوطي، والهيثمي، وغيرهم الكثير، ولا يخفى مدى صلة هذا الاتجاه بالسُّنَّة، واهتمامه بها (595) .

عُني متكلمو المدرستين بالأخبار والنظر فيها عناية فائقة؛ لأنها تُمثل مصدرًا معرفيًّا بالغ الأهمية، يقف إلى جوار كل من الحسِّيَّات والعقليات، وهو السبيل الوحيد لمعرفتنا بالشرعيات، التي وصلت إلينا في صورة أخبار منقولة عن الله عزَّ وجلَّ، أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ثَمَّ تصير الأخبار -كما يصفها الجويني- من أعظم أصول الشرائع، وينتمي إليها معظم الكلام في الملل، وتصرفات الخلق، وما هذا شأنه فحقيق الاهتمام به؛ لما يؤمل لمعرفته من صلاح الدين والدنيا (596) .

وقد تعرضوا للأخبار من وجوه عديدة، فبحثوا في حدها، وهل يمكن إيجاد تعريف دقيق لمفهوم الخبر، أو هو غني عن التعريف لوضوحه (597) ، كما استفاضوا في الرد على من نفى إمكانية تحصيل المعرفة عن طريقه؛ وهو مذهب منسوب للسمنية والبراهمة، وعدَّ كثير من المعتزلة والأشاعرة إنكار العلم بالأخبار كليةً نوعًا من المنازعة في الضروريات (598) .

ولما كانت السُّنَّة تمثل نوعًا من الأخبار المنقولة بواسطة الرواة فقد انطبق عليها ما ينطبق على سائر الأخبار؛ من حيث التقسيم، ومفهوم كل قسم، ومدى إفادته علمًا يقينيًّا أو ظنيًّا، وإن ظلت الأخبار أوسع دائرة؛ إذ تشمل ما نُقِل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن غيره؛ بينما تختص السُّنَّة بالمنقول عنه صلى الله عليه وسلم، وقد انتقل هذا المنهج الكلامي إلى الأصوليين، فصار حديثهم عن السُّنَّة يُصدَّر بمقدمات مبسوطة عن الخبر، وأقسامه، ومناقشة منكري استفادة العلم منه، وغير ذلك من المسائل (599) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت