وهذا التفريق سيفيدنا كثيرًا عندما نعرض لمدى تحقق اليقينية في الدليل النقلي المعين كالآية أو الحديث، إذ من الممكن أن يستفيد شخص ما اليقين الذاتي الجازم، بينما لا تصل درجة التصديق عند شخص آخر إلى تلك المرتبة، نتيجة اختلاف عدد من العوامل، كفهم ألفاظ النص والتعمق في ملابساته وطريقة وروده وتوافقه مع نصوص الشرع الأخرى من جهة، وأدلة العقل من جهة أخرى، وغير ذلك من الأسباب التي تؤدي في النهاية إلى التفاوت في حصول اليقين، وتحقيقه.
وتقودنا الملاحظة السابقة إلى ملاحظة أخرى، وهي: قابلية اليقين في نفسه للتفاوت قوةً وضعفًا وكثرةً وقلةً، في مختلف أنواع المعارف المحصلة لليقين، والتي حصرها المتكلمون (1528) في الأوليات والمجربات والمشاهدات والحدسيات والمتواترات، فكل ذلك قابل للتفاوت، وعلى سبيل المثال فإن الإنسان يدرك فرقًا واضحًا بين معرفته بأن الواحد نصف الاثنين ومعرفته ببعض ما نُقل تواترًا، كوجود بلدة تسمى أستراليا في أقصى أطراف العالم، كذلك يدرك الباحث في العلوم النظرية التي يحصلها أن بعضها أقوى من بعض وأوضح، فما علمه بدليل واحد ليس كوضوح ما علمه بالأدلة الكثيرة المتعاضدة (1529) ، وهكذا يتفاوت اليقين المستفاد من الأدلة النقلية من دليل لآخر، بحسب قوة الأسانيد، ووضوح الألفاظ والقرائن المحيطة بكل نص منها.
اتفقت كلمة الفقهاء من سائر المذاهب ووافقهم جماهير الأصوليين على وجوب التعبد بالدليل الظني، الذي ترجحت جهة ثبوته في مجال الفقه والأحكام العملية، محتجين بأن الشرع قد أجرى الظن في ترتيب الأحكام مجرى القطع، وقامت الأدلة الكثيرة التي تصل بمجموعها إلى مرتبة القطعية، لتؤكد وجوب الاعتماد والعمل بالدليل الظني في الأحكام العملية، كما هو الحال في الأخذ بالبينات والإقرار وتقويم المستهلكات وأروش الجنايات ومواقيت الصلاة، وغير ذلك من المسائل التي يصعب حصرها؛ لكثرتها وتنوعها ودخولها معظم الأبواب الفقهية (1530) .
وإضافة للأدلة الشرعية الصريحة في هذا الصدد فإن للأصوليين دليلًا عقليًّا مشهورًا، مبنيًّا على طريقة السبر والتقسيم، وخلاصته (1531) : أننا نعلم إجمالًا ثبوت تكاليف شرعية كثيرة في أعناقنا، ولا بد من التعرض لها وامتثالها بحكم ثبوت ذلك العلم إجمالًا، ولما كان الوصول إلى