وعلى نفس المنوال لا يصح أن يقال: كيف يُنَعَّم الإنسان في قبره أو يُعذَّب؟ وكيف يُمد القبر الضيق المساحة بمقدار سبعين ذراعًا مع أننا لو فتحنا عليه لوجدناه على حاله؟! وكيف يسير الناس في الآخرة على صراط دقيق وحاد مع أن قوانين الدنيا تمنع من ذلك؟
والجواب: إنه على فرض منع العقل من تجويز كل ما سبق، فلا وجه لتعارضه مع النقل لاختلاف الوقت الذي تعلق به حكم كلٍّ منهما، فالنقل يتحدث عن أمور أخروية تتم في عالم غير عالمنا، والعقل يُصدر حكمًا بحسب معارفه ومقرراته الدنيوية.
وأعتقد أن تطبيق هذه الشروط الأربعة بدقة كاملة كان كفيلًا بطرح جُل ما قيل بتعارضه مع العقل من الأدلة النقلية، فأكثرها متعلق بصفات الله وأسمائه، أو أحكام الآخرة وما يجري فيها، أو أحد الدليلين قطعي والآخر ظني، ولا يوجد مثال صحيح ينطبق عليه المفهوم الكلامي للتعارض بين دليلين يستلزم صدق أحدهما كذب الآخر، وهما متساويان في القوة، ومتقابلان في محل واحد ووقت واحد، وجميع النماذج التي ساقها المتكلمون اخْتلَّ فيها واحد أو أكثر من هذه الشروط، وليس فيها دليل نقلي صحيح وثابت تعارض مع دليل عقلي صريح وقطعي بما يتعذر معه الجمع بينهما.
يتنوع التعارض بحسب القسمة العقلية الممكنة لطرفيه -وهما النقل والعقل-إلى أنواع ثلاثة: فإما أن يكون التعارض بين دليلين عقليين معًا، أو نقليين معًا، أو أحدهما نقلي والآخر عقلي، ومحل بحثنا يتركز على النوع الأخير؛ لذا نُرجئ الكلام عنه، ونكتفي بإشارة سريعة إلى النوعين الأولين.
(أ) التعارض بين دليلين عقليين:
وهما إما قطعيين، وإما ظنيين، أوإما أن يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا وواضح أنه إذا تعارض القطعي والظني وجب تقديم القطعي لأنه الأقوى، وإذا تعارض ظنيان رُجح بينهما بطرق الترجيح المتعددة.