علم الكلام ليكون وسيلة لتقرير الأحكام الاعتقادية المتعلقة بالله تعالى وصفاته وأفعاله، بناءً على وجود نظائر لها في الواقع المشاهد.
وإذا كان استخدامه في الأحكام الفقهية جائزًا وله ما يبرره، حيث يمكن التأكد من اشتراك الأصل والفرع في نفس العلة بعدد من الوسائل المختلفة؛ فإن تطبيقه على المسائل الإلهية غير ممكن ولا جائز.
فكيف نستطيع التحقق من اشتراك الغائب والشاهد في وصف ما، أو في حكم يترتب على ذلك، وهل يجوز للعقل أن يطبق المقولات الإنسانية على الذات الإلهية، وما يخصها من أسماء أو صفات أو أفعال، وهل يتساوى بحثٌ موضوعُه الوقائع المادية المشاهدة والمحسوسة، أو أفعال المكلفين، وآخر موضوعه ذات الله الذي ليس كمثله شيء؟! (1644)
وهناك عدد كبير من المسائل التي افترض المعتزلة والأشاعرة وقوع التعارض بين النقل والعقل فيها؛ لأن بعض النصوص جوَّزت على الغائب ما يمتنع مثله في الشاهد، مع أن شرط اتحاد المحل مُفتَقد، وبذلك ينتفي القول بالتعارض، ولا يصح أن نجعل المشاهدات حكمًا أو مقياسًا لما يجوز أو لا يجوز في حقِّه سبحانه وتعالى.
رابعًا: أن يكون تقابل الدليلين في وقتٍ واحد، فلا بد من اتحاد الزمن، فإذا اختلف انتفى التعارض، ومن أمثلة ذلك في الأحكام الفقهية: وجوب الصيام آخر يوم من رمضان، وتحريمه أول يوم من شوال، فلا يُقال هنا: إن الأدلة تعارضت؛ حيث أوجبت الصوم ثم حرمته بعد ذلك؛ لأن الوقت مختلف.
وفي مجال الأحكام العقدية: لا يصح أن نقيس أحكام الدنيا وقوانينها على أحكام الآخرة، فإذا أثبت الشرع -مثلًا- أن الموت يأتي في الآخرة على صورة كبش أقرن، ويُذبح بين الجنة والنار، فلا وجه لتضعيف النص أو تأويله بحجة تعارضه مع العقل كما قال المعتزلة (1645) ، بناءً على أن الموتَ عَرَض، والعرض لا يتحول إلى جسم تحله الحياة أو الموت، وحتى على فرض التسليم بتلك المقدمة فهي تنطبق على أحكام الدنيا وليس أحكام الآخرة.