فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 584

(د) أن المعتزلة وبعض الأشاعرة لا يُسَلِّمون بتواتر نسبة كبيرة مما أورده الكتاني، ومن ثم يقل العدد بنسبة غير قليلة، ولا سيما أن كلتا المدرستين من أصحاب الاتجاه المضيق لعدد المتواتر، وقد ساعد على ذلك طبيعة نشاطهم ذي النزعة العقلية، والذي لا يهتم بالحديث وعلومه كثيرًا، مما يؤدي إلى تقليل ما حكموا عليه بالتواتر.

وأخيرًا، فعدد المتواتر مهما تُوُسِّع في تحديده، لا يمثل على أحسن الأحوال ما يزيد على عن خمسة في المائة من أحاديث السُّنَّة ككل، وبقية السُّنَّة آحاد لا يمكن -على قول المتكلمين- الاستدلال بها في أمور العقيدة، وبهذا تصير حجية السُّنَّة -كمصدر يُستدل به على المسائل العقدية- تعني في حقيقة الأمر: حجية خمسة في المائة منها فقط، لا حجيتها جميعًا، وأما النسبة الباقية فهي حجة في الفروع لا في الأصول، وحتى هذه النسبة القليلة لم تسلم من أمور أخرى تخدش في الاحتجاج بها، مما سنعرض له تفصيلًا في الباب الثاني إن شاء الله تعالى.

ليس بين المسلمين -ولا بين سائر العقلاء- خلاف في حجية المتواتر؛ كخبر صحيح النسبة إلى قائله، وقد نقل ابن حزم اتفاق المسلمين جميعًا على هذه القضية، مقررًا أن المتواتر «خبر لم يختلف مسلمان في وجوب الأخذ به، وفي أنه حق مقطوع على غيبه؛ لأن بمثله عرفنا أن القرآن هو الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم، وبه علمنا عدد ركوع كل صلاة، وعدد الصلوات، وأشياء كثيرة من أحكام الزكاة، وغير ذلك» (651) ثم أشار إلى أن تكذيب المتواتر يؤدي إلى نوع من السفسطة، وإنكار ما عُلم يقينا عند العامة والخاصة، ويظهر من خلال هذا النص أن المعتزلة وغيرهم من طوائف المسلمين مُقرُّون بحجية المتواتر، وليس بينهم أدنى نزاع حولها.

ومن الأمور اللافتة للنظر إلحاح الفكر الاعتزالي منذ مؤسسه الأول واصل بن عطاء، على التفرقة بين المتواتر والآحاد، والتأكيد على أن مدار الحجة والتعويل الحقيقي في عملية الاستدلال؛ إنما هو على المتواتر دون غيره؛ بل نستطيع أن نذهب إلى مدى أبعد؛ فنقرر أن واصلًا المتوفى في الثلث الأول من القرن الثاني الهجري (ت 131 هـ) يعد أول من فرَّق بين نوعي الأخبار المتواتر والآحاد، في تلك الفترة المبكرة، قبل أن ينضج كلٌّ من علمي أصول الفقه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت