الاتجاه الثالث:
وقد تَوسَّع القائلون به في الحكم بالتواتر على كثير من الأحاديث التي في تواترها نظر، بل وصل الأمر إلى عدهم ضمن المتواتر أحاديث لا تصح أصلًا؛ كحديث الأبدال (647) ، وقصة هاروت وماروت (648) وغير ذلك، وللشيخ شلتوت نقد شديد على هذا الاتجاه، كما أنه حاول تفسير أسباب إسرافه في الحكم بالتواتر (649) ، ولعل أبرز ممثلي هذا المسلك الكتاني في كتاب «نظم المتناثر» .
وبعد عرض الاتجاهات السابقة يمكننا أن ندرج المعتزلة والأشاعرة ضمن الاتجاه الأول، فاستدلالهم -ولا سيما المعتزلة- بالمتواتر قليل، والأحاديث التي عَدُّوها منه نادرة، مع الإقرار بصعوبة الحصر الدقيق لعددها؛ إذ لم يحاول أحد منهم القيام بذلك، مع أهمية هذا العمل وفائدته الكبرى، وتبقى بين أيدينا طريقة وحيدة يمكن أن نصل من خلالها إلى تحديد تقريبي لعدد الأحاديث المتواترة، عن طريق الكتب المصنفة في جمع الأحاديث من هذا النوع، والمطبوع منها أربعة (650) .
وإذا أخذنا كتاب الكتاني كنموذج من بينها؛ نظرًا لتأخره نسبيًّا، واطلاعه على إنتاج من سبقه، ولأنه من أكثرها جمعًا، فسنجد أنه اشتمل على ثلاثمائة وعشرة أحاديث في مختلف أبواب الدين، المتعلق منها بالعقيدة -موضوع هذه الدراسة- حوالي ستين حديثًا، ولا بد من أن ننظر للرقم المذكور في ضوء أمور عدة:
(أ) أن الكتاني واسع الخطو في الحكم على الحديث بالتواتر، وموسوم بالتساهل، فلا يسلم له إدخاله بعض الأحاديث ضمن المتواتر.
(ب) أن هذا العدد يشمل كل ما له صلة بالعقيدة؛ كفضائل الصحابة، والإمامة، وما أشبه ذلك.
(جـ) أن كثيرًا من هذه الأحاديث في أمور الآخرة وما يلحق بها، مما يسمى عند المتكلمين بالسمعيات، وأما ما يتعلق بأصول العقيدة الأخرى فقليل.