عند مفهومه وأسباب القول به وعلاقته بقضية المحكم والمتشابه، ثم موقف المدرستين منه نظريًّا وتطبيقيًّا.
تعرض مصطلح التأويل -كما هو الشأن في كثير من المصطلحات الحادثة- إلى نوعٍ من التطور في دلالته واستعماله عبر المراحل الزمنية المتتابعة، وبرز بوضوح مدى التفاوت بين مفهومه عند المتقدمين والمعنى الذي انتهى إليه متأخرو الأصوليين والمتكلمين، وقد ورد هذا اللفظ في الاستعمال القرآني مرات عديدة (1838) ، وقُصد به بيان حقيقة المعنى الذي يئول اللفظ إليه، وهي الحقيقة الموجودة في الخارج، سواء أكان بمعنى المآل والمرجع، كما في قوله تعالى: {وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا} [الإسراء: 35] أم يراد به الأثر الخارجي الذي يقع عقوبة لقوم وجزاء لهم، كما في قوله تعالى: {هل ينظرون إلَّا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 53] أم مآلًا لرؤى الناس وتعبيرًا لها، كما في قوله تعالى: {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} [يوسف: 21] وقوله: {هذا تأويل رؤياي من قبل} [يوسف: 100] وغير ذلك الكثير (1839) .
واستعمل التأويل في السُّنَّة وفي كلام السلف بالمعنى القرآني السابق إضافة لمعنى التفسير، ومن ذلك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: (( اللهمَّ علمه التأويل ) ) (1840) وقول ابن عباس: «أنا ممن يعلم تأويله» (1841) أي: القرآن، وقول جابر في حجة الوداع: «ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله» (1842) وسمَّى ابن جرير الطبري تفسيره المعروف «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» واستفتح تفسير كل آية بعبارة متكررة، وهي: «القول في تأويل قوله تعالى» .
وهكذا كان التأويل عند المتقدمين يعني: العاقبة والمآل والمصير، ويطلق أيضًا على التفسر والبيان وحُسن تقدير الأمور، وهو اصطلاح جمهور المفسرين، ثم بدأ يأخذ معنى جديدًا شاع وانتشر بين الأصوليين والمتكلمين على وجه الخصوص، وذكرته بعض المعاجم اللغوية المتأخرة، خلافًا لما كان عليه الحال في المعاجم المؤلفة في فترة زمنية مبكرة (1843) .