فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 584

ويشهد لذلك ما حكاه عنه الجاحظ من أن «الحكم يُعلم بالعقل، أو الكتاب، أو إجماع النقل» (667) والظاهر أن المراد بعبارة «إجماع النقل» الخبر المتواتر، فهو يقبله لكن بالشرط المتقدم ذكره، وقريب مما نقله الجاحظ يذكر نشوان الحميري أن «إجماع الأمة على نقل خبر واحد لا تناقض فيه» (668) حجة عند النظَّام، وهذه الصورة مزيج من الإجماع والتواتر، أو هي حالة من حالات الإجماع؛ وهي الإجماع على نقل خبر لا على استنباط حكم.

وتزداد غرابة مذهب النظام حينما نجد أنه في الوقت الذي يُجوِّز كذب المتواتر، يرى أن خبر الواحد قد يقع به العلم الضروري، وللجويني تفسير خاص لرأيه هذا؛ حيث حمله على صورة من صور خبر الواحد المحتفة بقرينة لا تدع مجالًا للتشكيك في صحة الخبر، ولا يطَّرد هذا في كل أخبار الآحاد (669) .

وحتى مع هذا التوجيه فالإشكال ما زال قائمًا وهو أنه يجعل العلم المستفاد ضروريًّا وليس نظريًّا، وهو رأي لم يقل به أحد، ومن المفارقات العجيبة أن المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة شنُّوا حملات شديدة على من قال بإفادة خبر الواحد العلم النظري في بعض الحالات لا كلها، فكيف بمن جَوَّز إفادته للعلم الضروري؟

ذهب أبو الهذيل إلى أن الحجة من طريق الأخبار فيما غاب عن الحواس لا تثبت بأقل من عشرين نفسًا، فيهم واحد من أهل الجنة أو أكثر، ولم يوجب بأخبار الكفرة والفسقة حجة، وإن بلغوا عدد التواتر، إذا لم يكن فيهم واحد من أهل الجنة، وخبر ما دون الأربعة عنده لا يوجب حُكمًا، وخبر من فوق الأربعة إلى العشرين قد يوجب علمًا وقد لا يوجب، وأما خبر العشرين، وفيهم واحد من أهل الجنة فهو مفيد للعلم لا محالة (670) .

ويُستخلص مما نسبه كلٌّ من عبد القاهر البغدادي، والشهرستاني (671) ، ونشوان الحميري (672) ، والإيجي (673) ، وغيرهم (674) ، إلى أبي الهذيل، أن موقفه من المتواتر يتمثل فيما يلي:

(أ) لا ينكر العلاف حجية المتواتر؛ ولكنه يشترط شروطًا خاصة في مسألة العدد الذي يثبت به التواتر وتقوم به الحجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت