لم يُعن متكلمو المعتزلة والأشاعرة بالتحديد الدقيق لمفهوم التعارض في كتبهم الكلامية اعتمادًا على ما ذكروه في مبحث التعارض والترجيح من مصنفاتهم الأصولية، وقد غلب على أكثر تعريفاتهم طابع التعميم، والاقتراب من المفهوم اللغوى، ومن أمثلة ذلك: تعريف أبي الحسين البصري للتعارض بأنه: «التمانع والتعادل، والتنافي والتناقض» (1633) ، وقريب منه تعريف الجويني (1634) ، والآمدي (1635) بأنه: «التناقض والتنافي» ، وتعريف الغزالي (1636) بأنه: «التناقض والتضاد» ، وزاد بعض الأشاعرة الأمر تفصيلًا بذكر مجموعة من القيود، فعرَّفوا التعارض بين شيئين بأنه: «تقابلهما على وجه يمنع كلٌّ منهما مقتضى صاحبه» (1637) .
ويمكن أن نخرج من خلال هذه التعريفات المتعددة بتعريف يجمع بينها، فالتعارض هو: «تقابل الدليلين على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه» (1638) .
وركن التعارض الأساسي هو المقابلة والممانعة بين دليلين أو حجتين متساويتين على وجه يوجب فيه كل منهما ضد ما يوجبه الآخر؛ كأن ينفي أحدهما شيئًا والآخر يثبته، أو يُحل شيئًا والآخر يُحرِّمه، وقد رادف عدد من أئمة المعتزلة والأشاعرة؛ كأبي الحسين البصري (1639) ، والغزالي (1640) ، وغيرهما (1641) بين مفهومي التعارض والتناقض، وساووا بينهما في الشروط الواجب توافرها.
وإذا علمنا أن التناقض يعني اختلاف قضيتين بالإيجاب والسلب على وجه يلزم من صدق إحداهما لذاتها كذب الأخرى، فينتج عن ذلك تضييق دائرة التعارض، وإخراج كثير من الصور التي أُدرجت تحته، مع أنها غير داخلة في هذا المفهوم، لا سيما وأن المناطقة قد اشترطوا لوقوع التناقض الاتحاد في أمور ثمانية (1642) ، وهي ما يعبرون عنها بالوحدات الثماني المشهورة، وتتمثل في: وحدة الموضوع والمحمول، والزمان والمكان، والإضافة والشرط، والقوة والفعل، والكل والجزء، مما يجعل كل دليلين لم يتفقا في الأمور المذكورة غير متناقضين، ويمكن الجمع بينهما.