المبحث الأول
موقف المعتزلة والأشاعرة من حجية السُّنَّة في ذاتها
ولعله يحسن أولًا وقبل الخوض تفصيلًا في عرض آراء المذهبين وبيان مواقفهما- أن نتعرف على المفهوم الذي استعملوا السُّنَّة من خلاله، ومدى التطابق أو الاختلاف بينه وبين المفاهيم الأخرى، التي استعمل المصطلح إزاءها، كمفهوم المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، وعلماء السلف، نظرًا لما يومئ إليه المعنى المستخدم عند كل فريق من تحديد للوظيفة والمجال الذي تعمل السُّنَّة في إطاره، كما ينبئ في أحيان كثيرة عن المكانة التي حظيت بها بين الأدلة الأخرى -نقلية أو عقلية- لا سيما وأن بعض هذه الاتجاهات وسَّعت كثيرًا من مفهوم السُّنَّة ليتجاوز من كونه مجرد دليل نقلي إلى معنى أشمل يستوعب منهجية الفهم، وكيفية التعامل مع أمور الدين، بكافة أقسامها: عقائد، وعبادات، وسلوكيات.
استُعمل مصطلح السُّنَّة في أكثر من علم، واختلف معناه بحسب طبيعة العلم المستخدم فيه، والوظيفة التي يقوم بها، فجمهور المحدثين يرادفون بين معنى «السُّنَّة» و «الحديث» ويريدون بهما «ما أُثر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خُلقية أو خَلقية، أو سيرة، سواء أكان قبل البعثة أم بعدها» (501) ويتواءم هذا المفهوم الواسع مع الوظيفة التي أُنيطت بعلم الحديث، وهي تتبع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في كافة أموره، مع قطع النظر عن درجة الحكم الشرعي المستفاد منها وجوبًا أو ندبًا.
أما الفقهاء فيعدون السُّنَّة قسمًا من أقسام الأحكام التكليفية الخمسة، ويرادفون بينها وبين عدد من المصطلحات الأخرى كالمندوب، والمستحب، ويعنون بذلك ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم (502) ، وبالتالي تتحول من مصدر للوصول إلى الحكم الشرعي إلى نوع من أنواعه، خلافًا للأصوليين الذين يعدونها مصدرًا من مصادر الاستنباط، ومن ثم جاء تعريفهم مُنصبًّا على هذه الوظيفة، فالسُّنَّة هي «ما نُقل عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير» (503) ويُلاحظ أن تعريفهم أضيق دائرة من تعريف المحدثين، حيث اقتصر على الأنواع الثلاثة