حجة ظنية، لكن يؤخذ عليهم أن غير المتفق عليه لا يعد من الإجماع إلَّا بنوع من التجوز، فلا مجال إذن لوصفه بالقطعية أو الظنية؛ لأن محل النزاع إنما هو في تحقق شروط الإجماع وأركانه، ثم يأتي بعد ذلك النظر في قطعيته أو ظنيته.
المذهب الرابع: وقد نُسب إلى جماعة من الحنفية (1072) ، مالوا إلى أن الإجماع مراتب، فإجماع الصحابة مثل الكتاب والخبر المتواتر يفيد العلم القطعي، وإجماع من بعدهم بمنزلة المشهور من الحديث، وهو في منزلة بين العلم والظن، والإجماع الذي سبق فيه خلاف في العصر السابق بمنزلة خبر الواحد فيفيد الظن، ولا شك أن هذا التفصيل بدرجاته الثلاث يحتاج إلى إقامة الدليل عليه، ولا أظن أن هناك ما يشهد له أو يعضده.
ويظهر من خلال هذه المذاهب الأربعة المذكورة أن ثمة اتجاهين رئيسيين، أحدهما: يرى أن حجية الإجماع قطعية، وعليه جمهرة المعتزلة والأشاعرة، والآخر: يرى أن حجيته ظنية فلا يفيد علمًا، إما في جميع أحواله وإما في بعضها، ومال إليه نفر من أئمة الأشاعرة، ومن الواضح أن القائلين بالظنية ليس عندهم مجال للاحتجاج بالإجماع في أمور العقيدة، والتي يقصرون الاستشهاد فيها على الأدلة القطعية وحدها، وبذلك يخرج الإجماع من عداد المصادر المحتج بها، وأما القائلون بقطعيته في ذاته فيبقى النظر في مرحلة أخرى ضرورية، وهي طريقة نقله ومدى توافر صفة اليقينية فيها.
اتفق القائلون بحجية الإجماع على أنه إذا نقل تواترًا تعين قبوله سواء أكان دليلًا قطعيًّا أم ظنيًّا (1073) ، على ما سبق بيانه في المسألة المتقدمة، ولكن الإشكال الحقيقي الذي يواجهنا يرجع إلى مدى صعوبة أو سهولة الحكم على نقل إجماع ما بالتواتر، وعدد الإجماعات الموصوفة بذلك.
وفي رأيي أن إثبات تواتر إجماع ما وفق شروط التواتر المعروفة ليس بالأمر اليسير؛ بل هو أصعب بمراحل من الحكم على حديث بأنه متواتر، فرواية الأحاديث شائعة ومنتشرة، ولها رجال يهتمون بها، ويرحلون في سبيل جمعها إلى المشارق والمغارب، ثم يتصدرون لتبليغها، ويجلس حولهم مئات أو آلاف التلاميذ الآخذون عنهم مما ييسر نقلها تواترًا.