حصول العلم بما دلت عليه» (626) وتكرر قريب من هذا المعنى عند متقدمين على الآمدي؛ كالغزالي (627) والرازي (628) ، ومتأخرين عنه؛ كالأرموي (629) والبيضاوي (630) .
ومن ناحية أخرى؛ فإن المتواتر ينقسم إلى متواتر عند العامة والخاصة يعلمه الجميع، ومتواتر عند الخاصة فحسب، ولا يعلمه غير أهل الشأن وأصحاب التخصص، وقد يتواتر عند أهل الحديث والفقه والتفسير ما لا يتواتر عند غيرهم، وهكذا الحال في كل فن من الفنون، فقد يتواتر عند أصحابه ما لعله يخفى على من هم خارج التخصص؛ لأن الضابط الأهم في حصول التواتر هو وجود العلم دون ما سواه من الشروط الأخرى، ولما كان إدراك ذلك أمرًا نسبيًّا يتفاوت فيه الناس، فمن المؤكد أن يتواتر عند بعضهم ما لا يتواتر عند الآخرين (631) .
وينبني على هذا المفهوم توسيع دائرة التواتر، وإدخال عدد كبير من الأحاديث التي عدَّها المتكلمون آحادًا في جملتها؛ ما دامت تفيد العلم، ويُقطع بصحتها وثبوتها عند أهل الشأن المختصين بذلك؛ لأن الحكم على حديث ما بكونه متواترًا أو غير متواتر مسألة تخصصية تعتمد على سبر المرويات وتتبعها، ومعرفة الرواة، وأحوالهم، وطبقاتهم المختلفة بما يُستخلص من خلاله هل تفيد أخبارهم العلم أو لا تفيده، وحصول العلم في القلب من الأمور المتفاوتة كالشبع والري ونحوهما، وكل واحد من الأخبار قد يفيد قدرًا من العلم، فإذا تعددت الأخبار وقويت أفادت العلم، إما للكثرة، وإما للقوة، وإما لمجموعهما، كما يحصل الشبع، إما بكثرة أو بقوة المأكول، وإما لمجموعهما (632) .
والكلام المتقدم يفسر لنا أسباب الخلاف الواسع الذي دار حول عدد كبير من أحاديث العقائد، وهل هي متواترة أو آحاد، فبينما يعد المحدثون أحاديث علو الله على خلقه، ونزوله في ثلث الليل الآخر، وسائر أحاديث الصفات الخبرية من المتواتر المعنوي، ينكر المتكلمون من المعتزلة وجمهور الأشاعرة ذلك، ويعدونها من الآحاد، وإن كان الأشاعرة يحكمون على أحاديث رؤية الله تعالى في الآخرة، والشفاعة، والحوض، والصراط، وعذاب القبر، وما أشبهها بالتواتر، ويظل المعتزلة على موقفهم الثابت من اعتبار الجميع آحادًا.