المبحث الثاني
حجية الإجماع في الاستدلال على المسائل العقدية
انتهينا في المبحث السابق من تقرير حقيقة الموقفين الاعتزالي والأشعري من حجية الإجماع بصفة عامة، ونود في هذا المبحث أن ننتقل إلى مرحلة أخرى أكثر تحديدًا؛ وهي دراسة موقفهما من حجية الإجماع وإمكانية الاستدلال به على المسائل العقدية، واضعين في اعتبارنا التفرقة الموجودة في مناهج المتكلمين بين مجالي الاعتقاد والتعبد، وانفكاك التلازم بين صلاحية الدليل للاستخدام في كلا المجالين، فربما جاز الاحتجاج بدليل ما في مجال التعبد، بينما لا يصح ذلك مطلقًا في مجال الاعتقاد، وتساؤلنا الآن هو: هل يصلح الإجماع عند المعتزلة والأشاعرة لأن يكون دليلًا معتمدًا في إثبات المسائل العقدية كما هو الشأن في مسائل الفقه، أم يقتصر على النوع الثاني فحسب؟
ويتعين علينا قبل الإجابة عن السؤال المذكور أن نعرض بإيجاز لمسألتين على قدر كبير من الأهمية، وينبني على البت فيهما تحديد طبيعة الإجماع ونوعية دلالته، ومن ثم بيان المجال الذي يمكن له أن يعمل في نطاقه، وتتعلق إحدى هاتين المسألتين بتوصيف الإجماع في أصل ثبوته، وهل هو دليل قطعي أم ظني؟ وتختص الأخرى بنقله ووصوله إلى المستدل، فلا يكفي أن يكون -في ذاته- دليلًا قطعيًّا؛ بل يبقى النظر في طريقة وصوله، وهل لا بد من اشتراط التواتر المفيد للقطع، أو يجزئ النقل الآحادي غير المتواتر؟
لم يتفق مثبتو حجية الإجماع على قول واحد فيما يتعلق بحظه من القطعية أو الظنية، ويبدو أن سبب خلافهم راجع إلى نوعية الأدلة التي أقيمت لإثبات حجيته ومدى إفادتها للقطعية، ثم لكثرة التشكيكات والإشكالات التي أوردت على الإجماع في كل مرحلة من مراحله؛ كتصوره والاطلاع عليه، ونقله، ووقوعه بالفعل، ويمكن إجمال الآراء تجاه هذه المسألة في المذاهب التالية: