فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 584

وكنوع من الالتزام الصارم بطريقة الوصول إلى معرفة الله واقتصارها على العقل يرى الزمخشري أن الأنبياء والرسل ما وصلوا إلى تلك المعرفة إلا بالنظر والاستدلال العقلي، وفي تفسيره لقوله تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] تنحصر لديه وظيفة الأنبياء في أنهم «منبهون عن الغفلة، وباعثون على النظر» (1324) لأنهم أنفسهم «لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة، ولا عُرف أنهم رسل لله إلا بالنظر فيها» (1325) وكأن الرسل مشتركون مع سائر البشر في نفس الطريق المعرفي، ولا يتميزون عنهم بنبوة أو وحي.

ومن خلال هذا العرض الموجز لآراء أئمة الاعتزال -في طبقاتهم المختلفة- يظهر بوضوح تأثر المذهب منذ أبي الهذيل وحتى الأطوار المتأخرة بفكرة الدور تأثرًا كاملًا، والتزامه بموجبها على المستوى النظري، وبقي علينا أن نتتبع النتائج والآثار المنهجية التي ترتبت على ذلك في مجال استدلالهم الفعلي بالأدلة النقلية، وطريقة تناولهم لها.

لما كانت فكرة الدور أساسًا منهجيًّا ذا صلة وثيقة بنظرية المعرفة عند المعتزلة وفرعًا من فروعها؛ حيث تحددت طرق تحصيل العقائد وكيفية الوصول إلى إثبات الأصول الكبار التي ينبني عليها الدين ككل، وحدود العلاقة بين قطبي الأدلة الرئيسيين وهما النقل والعقل، والمجالات التي يعمل فيها كلٌّ منهما- لما كان الحال كذلك، فإن من المؤكد أن تنتج مجموعة من الآثار التي تحكم عملية الاستدلال بالنقل على مسائل العقيدة بصفة عامة.

1 -ولعل أبرز تلك الآثار ما شاع من تقسيم مسائل علم الكلام تقسيمًا ثلاثيًّا: إلى ما لا يُعلم إلا بالعقل، وما لا يُعلم إلا بالسمع، وما يُعلم بهما معًا، وقد استقر هذا التقسيم في نسيج الفكر الاعتزالي، وحكم طريقة احتجاجهم بالنقل، ثم إلى غيرهم من المدارس الكلامية الأخرى.

وأول النماذج التي تشتمل بصورة ما على هذا التقسيم، ويمكننا أن ندرجها في عداده ما نجده عند القاسم الرسي، وقد أشرنا إلى موقفه آنفًا، ويعنينا هنا تقسيمه للحجج التي احتج الله بها على العباد إلى حجة العقل، وحجة الكتاب، وحجة الرسول، فمعرفة الله طريقها العقل، ومعرفة ما أمر به أو نهى عنه طريقها القرآن، ومعرفة تفاصيل الشرائع طريقها الرسول صلى الله عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت